القتل خارج نطاق القانون ليس جديدًا في مصر. الجديد خلال السنوات الأخيرة هو تكرار وقائع القتل التي تعلن عنها الأجهزة الأمنية باعتبارها نتيجة لاشتباكات مسلحة، ثم ينتهي الأمر عند البيان الرسمي. لا تحقيق مستقل في ظروف القتل، ولا محاكمة تتيح معرفة الاتهامات والأدلة، ولا مساءلة عن استخدام القوة. الرصاصة تنهي القضية قبل أن تصل إلى المحكمة.
الحديث هنا عن الرصاصة بدل المحاكمة لا يحمل بالطبع أي دفاع عن عقوبة الإعدام. الفارق جوهري. حتى هذه العقوبة، التي أرفضها، تفترض اتهامًا ومحاكمة ودفاعًا وحكمًا قضائيًا. في القتل خارج نطاق القانون تختفي هذه المراحل كلها، ويصبح قرار الأجهزة الأمنية كافيًا لإنهاء حياة شخص وتحديد الرواية التي ستعرف بها الواقعة بعد ذلك.
المشكلة تمتد إلى ما يحدث بعد القتل. الجهة التي استخدمت القوة تقدم روايتها، وتتناقلها وسائل الإعلام، وفي حالات كثيرة لا نعرف بعدها شيئًا عن تحقيق مستقل في الواقعة. وهنا يصبح الإفلات من العقاب جزءًا أساسيًا من القضية. فمن دون التحقيق لا يمكن معرفة ما إذا كان استخدام القوة ضروريًا أصلًا، أو ما إذا كان القتيل مسلحًا، أو كانت هناك إمكانية للقبض عليه، أو حتى ما إذا كانت رواية الاشتباك صحيحة.
من الرصاصة إلى الصمت: حين يُعاد تعريف العدالة
منذ 2013 اتسعت المساحة التي تتحرك فيها الأجهزة الأمنية تحت عنواني «الحرب على الإرهاب» و«الحفاظ على الاستقرار». وفي هذه المساحة تكررت بيانات وزارة الداخلية عن مقتل أشخاص في «تبادل لإطلاق النار» أو «اشتباكات» مع قوات الأمن.
المشكلة أن البيان الأمني يقوم في هذه الحالات بأكثر من وظيفة. هو يعلن الوفاة، ويحدد هوية القتيل، وينسب إليه الاتهام، ويشرح ملابسات مقتله. وفي غياب تحقيق مستقل يصبح البيان تقريبًا المصدر الوحيد للقصة كلها.
وهذا يقلب المسار الذي يفترضه القانون. الأصل أن الاتهام يفتح تحقيقًا، وأن الأدلة تخضع للفحص، وأن المتهم يستطيع الدفاع عن نفسه، وأن المحكمة هي التي تفصل في مسؤوليته. في هذه الوقائع نعرف الاتهام بعد مقتل صاحبه، وتصل إلينا الأدلة من الجهة نفسها التي قتلته.
تتعدد الأمثلة. في 2016 قتلت قوات الأمن خمسة أشخاص وقدمتهم باعتبارهم عصابة مرتبطة بمقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني. الرواية تعرضت لاحقًا لتشكيك واسع مع تطور التحقيقات في قضية ريجيني. وهناك محمد عادل عطيتو، الطالب بكلية الهندسة في جامعة عين شمس، الذي قالت أسرته وزملاؤه إنه أُلقي القبض عليه من الجامعة، ثم أعلنت وزارة الداخلية مقتله بعد ذلك في تبادل لإطلاق النار.
وفي يوليو 2025 أعلنت وزارة الداخلية مقتل أشخاص قالت إنهم أعضاء في حركة «حسم» خلال عملية أمنية في بولاق الدكرور. وكما في الوقائع السابقة، بقيت الرواية الأساسية لما حدث هي الرواية التي قدمتها الوزارة نفسها.
القاسم المشترك هنا هو غياب المسافة بين الاتهام والعقوبة. الشخص الذي تصفه الأجهزة بأنه «إرهابي» أو عضو في تنظيم مسلح لا يصل إلى المحكمة حتى تختبر الأدلة المقدمة ضده. يموت أولًا، ثم يأتي البيان ليشرح للمجتمع من كان ولماذا قُتل.
المسألة تتجاوز إذن انتهاك الحق في الحياة. نحن أمام إلغاء عملي لفكرة المحاكمة في هذه الحالات. الاتهام الذي يفترض أن تبدأ عنده القضية يصبح نهايتها.
وهنا تظهر أهمية ما يحدث بعد الواقعة. حتى إذا قبلنا، جدلًا، رواية وقوع اشتباك مسلح، يظل هناك سؤال عن التحقيق في استخدام القوة والظروف التي أحاطت به. هذا التحقيق هو ما يسمح بالتفرقة بين استخدام مشروع للقوة وبين قتل خارج نطاق القانون. اختفاؤه يجعل رواية الأجهزة غير قابلة للاختبار.
الإفلات من العقاب يبدأ من هذه النقطة.
فالمحاسبة لا تعني فقط معاقبة شخص بعد ثبوت ارتكابه جريمة. تبدأ أصلًا بإمكانية التحقيق في أفعال من يملكون سلطة استخدام القوة. إذا كانت هذه الأفعال محصنة عمليًا من التحقيق، تصبح الضمانات القانونية موجهة إلى طرف واحد: المواطن الذي تستطيع السلطة التحقيق معه واحتجازه ومحاكمته، بينما يصعب عليه إخضاع من استخدم القوة ضده للمسار نفسه.
الإفلات كمنظومة: القضاء والنيابة والمؤسسات المتواطئة
الأجهزة الأمنية لا تستطيع وحدها إنتاج هذا الوضع. استمرار الإفلات من العقاب يحتاج إلى تعطل مؤسسات أخرى يفترض أن وظيفتها هي التحقيق والرقابة والمحاسبة.
النيابة العامة في مقدمة هذه المؤسسات. فهي صاحبة الاختصاص بالتحقيق في الجرائم، بما فيها الجرائم التي يمكن أن يرتكبها موظفون عموميون وأفراد أجهزة إنفاذ القانون. لذلك لا يمكن الحديث عن القتل خارج نطاق القانون أو التعذيب أو الوفاة داخل أماكن الاحتجاز من دون السؤال عن التحقيقات التي تجريها النيابة في هذه الوقائع.
المشكلة تظهر عندما تبدأ النيابة من رواية الجهة الأمنية نفسها ولا تجري تحقيقًا يسمح باختبارها بصورة مستقلة، أو عندما تنتهي وقائع وفاة داخل أماكن الاحتجاز بتفسيرات مثل الانتحار أو الهبوط الحاد في الدورة الدموية من دون إجابة واضحة عن الأسئلة التي تطرحها الأسر والمحامون.
وجود النيابة هنا لا يكفي في حد ذاته. المسألة تتعلق بطبيعة التحقيق: هل جرى الاستماع إلى الشهود؟ هل فُحصت الأدلة؟ هل تم تشريح الجثمان بصورة مستقلة؟ هل أمكن للأسرة ومحاميها الاطلاع على ما جرى؟ وهل توجد إمكانية حقيقية لمساءلة المسؤولين إذا ثبتت مسؤوليتهم؟
القضاء هو الحلقة التالية.
كان القضاء المصري، في مراحل مختلفة، مساحة مهمة لمواجهة تجاوزات السلطة التنفيذية. لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات كبيرة في علاقته بالسلطة وفي طبيعة الضمانات المتاحة في القضايا السياسية. المحاكمات الجماعية، وأحكام الإعدام، والتعامل مع ادعاءات التعذيب، والاعتماد الواسع في بعض القضايا على تحريات الأجهزة الأمنية، كلها أثرت في صورة القضاء كمساحة يمكن اللجوء إليها لمراجعة عمل أجهزة السلطة.
ولا يتعلق الأمر بالقول إن كل قاضٍ أو كل حكم جزء من منظومة واحدة. المشكلة في الاتجاه العام وفي قدرة القضاء، كمؤسسة، على القيام بدوره عندما تكون أجهزة الدولة نفسها طرفًا في الانتهاك.
إذا ادعى متهم أنه تعرض للتعذيب، ماذا يحدث لهذا الادعاء؟ وإذا قالت أسرة إن ابنها كان محتجزًا قبل إعلان مقتله في اشتباك، من يحقق في روايتها؟ وإذا تعارضت رواية شهود مع بيان أمني، هل توجد مؤسسة تستطيع إجبار الأجهزة على تقديم ما لديها من أدلة؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد القيمة الحقيقية للرقابة القضائية.
الأمر يمتد إلى المؤسسات الرقابية. تجربة الجهاز المركزي للمحاسبات تقدم مثالًا واضحًا على حدود الرقابة عندما تصطدم بما لا ترغب السلطة في إتاحته للنقاش العام. المؤسسة قد تملك صلاحيات واسعة على الورق، لكن هذه الصلاحيات تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها إذا لم تستطع نشر ما تصل إليه أو إذا أصبح كشف المخالفات نفسه مصدر خطر على من يكشفها.
المشكلة إذن أوسع من جهاز أمني يرتكب انتهاكًا. هناك سلسلة كاملة يفترض أن تبدأ بعده: نيابة تحقق، وقضاء يراجع، وبرلمان يسائل، وأجهزة رقابية تكشف، وصحافة تبحث وتنشر. عندما تتعطل هذه السلسلة في أكثر من موضع، يصبح الإفلات من العقاب نتيجة متوقعة.
وتظل المؤسسات قائمة. النيابة تعمل، والمحاكم تنعقد، والبرلمان موجود، والأجهزة الرقابية تصدر تقارير. السؤال هو ما الذي يحدث عندما تكون الواقعة المطلوب التحقيق فيها منسوبة إلى جهة قوية داخل السلطة.
هنا يظهر الفارق بين وجود المؤسسة وقدرتها على أداء وظيفتها.
والأثر لا يقف عند الضحايا وأسرهم. تكرار الانتهاكات من دون محاسبة يغير علاقة الناس بالقانون نفسه. من يتقدم بشكوى ولا يصل إلى نتيجة، ومن يرى واقعة قتل تنتهي عند بيان أمني، ومن يشاهد ادعاءً بالتعذيب يمر من دون تحقيق جاد، يتعلم شيئًا عن حدود الحماية التي يستطيع القانون أن يقدمها له.
مع الوقت، يصبح اللجوء إلى القانون واحدًا من خيارات عديدة، وربما ليس أكثرها فاعلية. تظهر العلاقات والنفوذ والوساطة باعتبارها وسائل أكثر قدرة على الحماية أو الوصول إلى الحقوق. وهذه نتيجة خطيرة، لأنها تضرب فكرة القانون من أساسها: أن القاعدة واحدة وأن المؤسسة تستطيع حماية الشخص بصرف النظر عن موقعه وعلاقاته.
الإفلات من العقاب ينتج الخوف أيضًا. الشخص الذي يعرف أن من يملك سلطة القبض عليه قد لا يخضع بسهولة للمساءلة يتعامل مع هذه السلطة بصورة مختلفة. تصبح المشكلة في اختلال ميزان القوة وفي غياب الجهة التي يستطيع اللجوء إليها إذا وقع الانتهاك.
ويزداد الأمر صعوبة مع الخطاب الذي يربط مساءلة الأجهزة الأمنية بتهديد الاستقرار. الضحية تصبح مطالبة بإثبات براءتها حتى بعد موتها، والأسرة التي تطلب التحقيق يمكن أن تجد نفسها في مواجهة رواية جاهزة تصف القتيل باعتباره خطرًا على المجتمع.
بهذا الشكل تتحول المحاسبة نفسها إلى قضية سياسية. المطالبة بالتحقيق في قتل شخص لا تُناقش باعتبارها تطبيقًا طبيعيًا للقانون، وإنما يمكن أن تُقرأ باعتبارها تشكيكًا في الأجهزة التي تحارب الإرهاب أو تحمي الدولة.
وهذا بالضبط ما يسمح للإفلات من العقاب بأن يستمر.
الخارج وحدود المحاسبة
هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله، يتعلق بموقف حلفاء الحكومة المصرية.
خلال السنوات الأخيرة استمرت العلاقات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية مع الدول الغربية، في الوقت الذي كانت فيه منظمات حقوقية مصرية ودولية توثق انتهاكات واسعة. صدرت انتقادات وتصريحات وتقارير، لكن العلاقات الأساسية استمرت.
هذه ليست مسألة تخص مصر وحدها. السياسة الخارجية للدول لا تتحرك وفق اعتبارات حقوق الإنسان فقط. هناك مصالح أمنية واقتصادية وعسكرية، وهناك حسابات تتعلق بالهجرة والإقليم والتعاون الأمني. وعندما تتعارض هذه المصالح مع الضغط من أجل المحاسبة، نعرف عادة أيهما يملك الوزن الأكبر.
منظومة الأمم المتحدة تكشف المشكلة نفسها بصورة أخرى. هناك اتفاقيات ومعايير واضحة تتعلق بالحق في الحياة وحظر التعذيب وضرورة التحقيق في الانتهاكات، لكن قدرة المؤسسات الدولية على فرض هذه المعايير محدودة، خصوصًا عندما لا توجد إرادة سياسية لدى الدول المؤثرة.
هذا لا يقلل بأي شكل من مسؤولية السلطة المصرية عن الانتهاكات التي تقع داخل مصر. المسؤولية تبدأ من الداخل: من ارتكب الفعل، ومن أصدر القرار، ومن امتنع عن التحقيق، ومن أغلق باب المحاسبة. لكن الموقف الدولي يؤثر في الكلفة التي تتحملها السلطة نتيجة استمرار هذه الممارسات.
عندما تستمر العلاقات والتعاون وصفقات السلاح والمصالح المشتركة رغم توثيق الانتهاكات، تصل رسالة واضحة بأن هذه الملفات لن تكون بالضرورة عائقًا أمام استمرار العلاقة.
لهذا لا أرى الإفلات من العقاب مجرد فشل في تطبيق القانون. الفشل يوحي بأن النظام أراد الوصول إلى المحاسبة ولم يستطع. ما نراه في كثير من الوقائع أكثر تعقيدًا: مؤسسات تعمل، وإجراءات تتم، وروايات رسمية تصدر، لكن الطريق إلى مساءلة من يملكون سلطة استخدام القوة يظل شديد الصعوبة.
وهنا نعود إلى الرصاصة.
القتل خارج نطاق القانون هو الصورة الأكثر وضوحًا للمشكلة، لأنه يلغي منذ البداية إمكانية أن يدافع الشخص عن نفسه. لكن المسألة التي يكشفها أكبر من واقعة القتل نفسها. هي تتعلق بمن يستطيع استخدام القوة، ومن يحقق معه، ومن يملك مراجعة روايته، وما إذا كان القانون قادرًا على الوصول إليه.
القانون الذي يستطيع محاسبة المواطن ويعجز عن الوصول إلى من انتهك حقوقه يفقد جزءًا أساسيًا من معناه.
والعدالة التي تبدأ بعد استبعاد المساءلة ليست عدالة.



