التنظيم كشرط للمخرج: لماذا لا يمكن تجاوز هذه العقدة؟

Facebook
Twitter

عندما يُطرح سؤال المخرج اليوم، يأتي محملًا بتاريخ من المحاولات التي لم تكتمل، والخسائر التي ما زالت آثارها حاضرة، والتجارب التي انتهى بعضها بالقمع وبعضها بالتفكك أو العجز عن الاستمرار. لذلك فإن أي حديث عن الفعل الجماعي يستدعي سريعًا ذاكرة قريبة تقول إن هذا الطريق جُرّب من قبل، وإن تكلفته كانت كبيرة.

يقف التنظيم في قلب هذه الخبرة. الحديث عنه اليوم مختلف عما كان عليه قبل خمسة عشر عامًا. هناك حذر أكبر، وشك في جدواه، وخوف مفهوم من التكلفة التي يمكن أن يتحملها من يشارك فيه. وهذا يرتبط بما ناقشناه سابقًا عند الحديث عن «اقتصاد الخوف»، وعن تحول الانسحاب الفردي في ظروف معينة إلى وسيلة للنجاة.

أزمة التنظيم في مصر أقدم من موجة القمع التي أعقبت 2011. تشكلت عبر مراحل مختلفة، وتركت كل مرحلة أثرها على ما جاء بعدها.

قبل 2011 كان التنظيم موجودًا رغم القيود المفروضة عليه. الأحزاب ضعيفة، والنقابات خاضعة لقيود واسعة، والجمعيات تعمل في مجال تحاصره السلطة بالقوانين والإجراءات والرقابة الأمنية. ومع ذلك لم تكن فكرة التنظيم نفسها موضع شك بالدرجة التي نراها اليوم. كان الخلاف يدور حول الأدوات والبرامج والقدرة على التأثير، بينما ظل العمل الجماعي في حد ذاته جزءًا طبيعيًا من التفكير في التغيير.

كانت هناك أيضًا خبرات تراكمت خارج المؤسسات التقليدية. الحركة العمالية، وحركات الاحتجاج السياسي، والمنظمات الحقوقية، والمجموعات التي عملت على قضايا بعينها، كلها صنعت مساحات محدودة للفعل. لم تكن هذه المساحات قوية بما يكفي لتغيير ميزان القوى، لكنها أنتجت خبرات وعلاقات وشبكات لعب بعضها دورًا مهمًا بعد ذلك.

جاءت يناير وكشفت حجمًا من القدرة على الفعل الجماعي لم يكن ظاهرًا قبلها. خرجت أعداد كبيرة إلى المجال العام، وتشكلت خلال فترة قصيرة لجان وائتلافات وأحزاب ونقابات ومبادرات ومجموعات مختلفة.

لكن سرعة الأحداث نفسها خلقت مشكلة. كثير من هذه التنظيمات ولد وهو مطالب بالعمل فورًا. لم تكن هناك مساحة كافية لبناء الثقة، أو اختبار قواعد اتخاذ القرار، أو إدارة الخلافات، أو تدريب كوادر جديدة، أو تطوير موارد تسمح بالاستمرار. كانت الأحداث أسرع من قدرة التنظيمات الجديدة على بناء نفسها.

وهذا مهم في فهم ما حدث بعد ذلك. يناير لم تكن فعلًا بلا أي جذور تنظيمية؛ سبقتها سنوات من الاحتجاج والعمل السياسي والحقوقي والنقابي. لكن حجم المشاركة في 2011 تجاوز كثيرًا قدرة البنى الموجودة على استيعابه.

عندما تغير ميزان القوى وارتفعت تكلفة العمل العام، كانت قطاعات واسعة من هذه التنظيمات ما تزال هشة. بعضها اختفى، وبعضها تعرض للقمع، وبعضها انقسم، وبعضها استمر في نطاق أضيق كثيرًا مما بدأ به.

النتيجة لم تكن خسارة تنظيمات بعينها فقط. تغيرت أيضًا نظرة قطاعات من المجتمع إلى فكرة التنظيم نفسها.

أصبح الانضمام إلى كيان سياسي أو حقوقي أو نقابي أكثر ارتباطًا في الوعي بالمخاطرة. التجارب السابقة حاضرة: الاعتقال، والمنع من السفر، وفقدان العمل، والملاحقة، أو سنوات من الاستنزاف من دون نتيجة واضحة. وهذه ليست مخاوف متخيلة يمكن الرد عليها بخطاب عن الشجاعة. لها أساس واقعي في تجارب عاشها أشخاص كثيرون.

لهذا يصعب التعامل مع أزمة التنظيم باعتبارها مشكلة خوف ينبغي التغلب عليه، أو نقص وعي يمكن علاجه بالتثقيف. السؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن بناء فعل جماعي في ظروف أصبحت فيها تكلفته مرتفعة إلى هذا الحد؟

الفعل نفسه لم يختف خلال السنوات الماضية. ظهرت حملات تضامن، ومبادرات حقوقية، ومشروعات بحث وتوثيق، وتجارب مهنية ونقابية، ومحاولات للعمل حول قضايا محددة. بعضها استمر وبعضها انتهى بعد فترة قصيرة.

تكشف هذه التجارب أن الرغبة في الفعل لم تختف. المشكلة الأكبر تبدو في الاستمرارية وفي انتقال الخبرة من تجربة إلى أخرى.

كثيرًا ما تنتهي المبادرة وتنتهي معها المعرفة التي راكمتها: كيف بدأت؟ ما الذي نجح؟ أين أخطأت؟ كيف اتخذت قراراتها؟ كيف تعاملت مع الخلافات؟ وما الذي أدى في النهاية إلى توقفها؟

وعندما لا تنتقل هذه الخبرة، تبدأ المبادرة التالية من نقطة قريبة من البداية. يتغير الأشخاص والموضوع، لكن كثيرًا من الأسئلة والمشكلات يتكرر.

هنا يصبح التنظيم أكثر من مجرد اسم لكيان. إحدى وظائفه الأساسية هي الاحتفاظ بالخبرة. المؤسسة التي تستمر تستطيع أن تتعلم من أخطائها، وأن تنقل هذه المعرفة إلى أعضاء جدد، وأن تبني علاقات تتجاوز الأشخاص الموجودين في لحظة بعينها.

بهذا المعنى، فإن أزمة التنظيم التي نعيشها اليوم هي إلى حد كبير أزمة استمرارية. المجتمع ليس ساكنًا. تظهر احتجاجات واعتراضات وحملات وقضايا تشغل المجال العام، ثم يتراجع معظمها. وما نفتقده في كثير من الأحيان هو الصلة بين هذه اللحظات.

التنظيم هو أحد الأشياء التي تسمح لهذه الصلة بأن توجد. يجعل التجربة الحالية قادرة على الاستفادة من تجربة سبقتها، ويمنع أن تتحول كل خسارة إلى بداية جديدة من الصفر.

ولا يمكن فهم صعوبة ذلك بعيدًا عن البيئة القانونية والسياسية القائمة. القيود المفروضة على الأحزاب والجمعيات والنقابات والتجمع والتظاهر، إلى جانب الملاحقات التي تعرض لها عاملون في المجال العام، رفعت تكلفة بناء التنظيمات والحفاظ عليها.

هناك أيضًا أثر يتجاوز القوانين المباشرة. سنوات من القمع وعدم اليقين تجعل حساب المخاطرة جزءًا من أي قرار بالمشاركة. الفرد يفكر في عمله وأسرته وقدرته على تحمل نتائج نشاط قد لا يعرف مسبقًا إلى أين يصل.

في هذه الظروف تبدو النجاة الفردية اختيارًا عقلانيًا في كثير من الأحيان. وهذا مهم لأن نقد الانسحاب الفردي أخلاقيًا لا يقدم حلًا. لا يمكن مطالبة الناس بتحمل مخاطر كبيرة ثم لومهم إذا اختاروا عدم تحملها.

لكن هناك مفارقة عملية هنا. الفرد المعزول أكثر تعرضًا للمخاطر في اللحظة التي يقرر فيها الفعل، والمبادرة التي تعتمد على أفراد قليلين تصبح أكثر هشاشة إذا تعرض أحدهم للملاحقة أو الإنهاك أو اضطر إلى الانسحاب.

التنظيم الجيد يمكنه أن يوزع المسؤوليات، ويحافظ على المعرفة، ويمنع اعتماد التجربة كلها على شخص واحد، ويوفر قدرًا من الدعم للأفراد. لذلك فإن ارتفاع تكلفة التنظيم لا يلغي الحاجة إليه، وإنما يجعل التفكير في شكله أكثر أهمية.

ويظهر هنا سؤال أخلاقي حقيقي. هل من المسؤول دعوة الناس إلى التنظيم في بيئة قد يدفعون فيها ثمنًا كبيرًا بسبب مشاركتهم؟

لا أعتقد أن الإجابة يمكن أن تكون دعوة عامة إلى الشجاعة أو التضحية. أي تنظيم جاد عليه أن يتعامل مع سلامة المشاركين وتقدير المخاطر باعتبارهما جزءًا من عمله، وأن يكون واضحًا بشأن ما يستطيع توفيره وما لا يستطيع.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف من التكلفة إلى استبعاد لفكرة الفعل الجماعي نفسها. عندها يصبح الخيار المتاح لكل فرد هو مواجهة مشكلاته وحده، بينما تظل المشكلات التي يواجهها في كثير من الأحيان جماعية بطبيعتها.

لهذا يحتاج مفهوم التنظيم نفسه إلى مساحة أوسع مما اعتدنا عليه. ليس المقصود بالضرورة حزبًا سياسيًا كبيرًا أو هيكلًا مركزيًا أو كيانًا قانونيًا معلنًا. أشكال التنظيم تختلف بحسب المجال والظروف والأهداف.

قد يكون التنظيم نقابة مهنية، أو رابطة تعمل حول مصلحة محددة، أو مؤسسة بحثية تحتفظ بالمعرفة وتتيحها، أو مجموعة تعمل بصورة مستمرة على قضية محلية، أو شبكة تعاون بين أفراد ومؤسسات. الفارق الأساسي بين التنظيم والمبادرة العابرة هو القدرة على بناء قدر من الاستمرار والذاكرة وتقسيم العمل.

وهذا التعريف لا يجعل التنظيم حلًا سحريًا. التنظيمات نفسها يمكن أن تصبح بيروقراطية، أو مغلقة، أو غير ديمقراطية، ويمكن أن تنقسم أو تفشل أو تعيد إنتاج المشكلات التي جاءت لمواجهتها. تاريخ العمل السياسي والنقابي مليء بهذه التجارب.

لكن غياب التنظيم له تكلفته أيضًا. الخبرة تضيع، والأفراد يتحملون أعباء أكبر، ويصبح من الصعب تراكم المعرفة أو الموارد أو العلاقات.

من هنا يرتبط سؤال التنظيم بالبحث عن مخرج. لا لأن بناء تنظيم جديد سيغير الواقع تلقائيًا، وإنما لأن أي فعل يريد أن يتجاوز لحظة الاعتراض يحتاج إلى وسيلة تحفظ ما يراكمه عبر الزمن.

الغضب يمكن أن يفتح مساحة للفعل، والمعرفة يمكن أن تساعد على فهم الواقع، لكن من دون أشكال تسمح بتراكم الخبرة وتوزيع الأدوار والاستمرار، تظل كل تجربة مهددة بأن تنتهي بانتهاء اللحظة التي أنتجتها.

لهذا أرى أزمة التنظيم باعتبارها أزمة في القدرة على الاستمرار أكثر منها أزمة في استعداد الناس للفعل. السؤال ليس لماذا لا يتحرك الناس بما يكفي. لدينا شواهد كثيرة على أنهم يتحركون عندما تتوافر الظروف. السؤال هو لماذا يصعب على هذه الحركة أن تنتج مؤسسات وعلاقات تعيش بعدها.

الإجابة بالتأكيد لا تقع كلها داخل التنظيمات نفسها. البيئة السياسية والقانونية، وتاريخ القمع، وضعف الموارد، والضغط الاقتصادي، كلها عوامل تحدد ما هو ممكن. لكن الاعتراف بهذه القيود لا يلغي السؤال عن الأشياء التي يمكن تعلمها من التجارب السابقة.

كيف تحتفظ المؤسسة بذاكرتها؟ كيف تنقل الخبرة إلى أعضاء جدد؟ كيف تدير الخلاف؟ كيف توزع المسؤولية بحيث لا تنهار بخروج شخص أو اثنين؟ كيف توازن بين الاستمرار وسلامة المشاركين؟ وكيف تعرف متى تغير أدواتها أو تتراجع عن معركة لا تستطيع تحمل تكلفتها؟

هذه أسئلة تنظيمية تبدو صغيرة مقارنة بالشعارات السياسية الكبرى، لكنها ربما تكون أكثر أهمية في المرحلة الحالية.

البحث عن مخرج لا يبدأ بالضرورة من تصور لحظة سياسية جديدة. يمكن أن يبدأ من استعادة القدرة على العمل مع آخرين لفترة طويلة، والاحتفاظ بما نتعلمه، وعدم إعادة التجربة نفسها في كل مرة.

هذا لا يقدم حلًا سريعًا، ولا يضمن نتيجة. لكنه يضع التنظيم في مكان أكثر واقعية: وسيلة تسمح للفعل بأن يراكم أثرًا، وللخبرة بأن تنتقل، وللأفراد بألا يتحملوا وحدهم كل تكلفة المشاركة.

ويبقى بعد ذلك سؤال آخر. الاستمرار في حد ذاته لا يكفي. يمكن أن توجد مؤسسة مستقرة ولا تعرف ماذا تفعل، أو تعيد إنتاج الأفكار نفسها سنوات طويلة. التنظيم يحتاج إلى معرفة تساعده على فهم الواقع الذي يعمل داخله، ومراجعة افتراضاته، والتعلم من التجربة.

وهذه هي النقطة التي يصل عندها سؤال التنظيم إلى سؤال المعرفة.