يوم أسود في تاريخ الصحافة المصرية: إغلاق مدى مصر
اليوم يوم أسود في تاريخ الصحافة المصرية. أصدرت محكمة جنح القاهرة الجديدة حكمًا بتغريم لينا عطا الله، رئيسة تحرير «مدى مصر»، ثلاثة ملايين جنيه، وغلق الموقع ومصادرة المعدات والأجهزة، في قضية تتعلق بإدارته دون ترخيص. وبعد صدور الحكم، احتجزت قوات الأمن لينا وأخرجتها من قاعة المحكمة، بحسب ما نشره «مدى مصر».
يصعب النظر إلى ما حدث اليوم باعتباره قضية تخص موقعًا صحفيًا وحده. نحن أمام حكم يهدد وجود واحدة من أهم المؤسسات الصحفية المستقلة في مصر، بعد سنوات من الحجب والملاحقات والضغوط، وأمام صحفيين يعرفون أن استمرارهم في العمل قد يضعهم في مواجهة الإجراءات نفسها. وما جرى يمس أيضًا قراء «مدى مصر» وكل من يحتاج إلى صحافة تبحث عن المعلومات وتنشرها وتضع ما تفعله السلطة تحت نظر الناس.
الأشد صدمة أن الحكم جاء بعد جلسة، كما نقل «مدى مصر» عن حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تمسك فيها فريق الدفاع بطلب وقت كافٍ للاطلاع على أوراق القضية. ووفق شهادته، رفضت المحكمة الدفوع الإجرائية المقدمة، بما فيها طلب ضم مستندات وسماع شهود، ثم طلبت من المحامين تقديم مرافعتهم.
تمسك فريق الدفاع بعدم الترافع في ظل رفض طلباته، فأعلنت المحكمة انتداب محامٍ آخر رغم حضور ثمانية محامين عن لينا. واعترض المحامون، وأعلنت لينا رفضها حضور المحامي المنتدب عنها. وبحسب شهادة بهجت، شرع رئيس المحكمة في تسجيل طلبات المحامي المنتدب قبل أن ينطق المحامي بكلمة، ثم تلا حكم الإدانة وسط اعتراضات الدفاع.
بعد ذلك، أحاط أفراد الأمن بلينا وأخرجوها من القاعة، وكانت لا تزال محتجزة وقت نشر خبر «مدى مصر». هذه التفاصيل، التي ينقلها أحد الحاضرين في الجلسة، تثير قلقًا بالغًا بشأن حقها في الدفاع وما جرى قبل صدور الحكم. وحتى نعرف مصيرها، يبقى الإفراج عنها وتمكينها من التواصل مع محاميها وأسرتها أمرًا عاجلًا.
الطريق إلى إغلاق مدى مصر
بدأ «مدى مصر» عمله عام 2013، واستطاع خلال سنوات أن يثبت وجوده كمؤسسة صحفية مستقلة، في وقت كانت فيه مساحات الصحافة الحرة تتراجع، وتزداد سيطرة السلطة على وسائل الإعلام. نشر الموقع أخبارًا وتحقيقات وتقارير عن السياسة والاقتصاد والمجتمع، وتابع قرارات الحكومة وآثارها، وقدم شهادات ومعلومات لم يكن سهلًا أن تجد طريقها إلى الجمهور.
منذ عام 2017، يواجه قراء الموقع صعوبة في الوصول إليه بسبب الحجب. وكان على من يريدون متابعة ما ينشره أن يبحثوا عن طرق بديلة، بينما استمر الصحفيون في العمل ومحاولة الوصول إلى مصادرهم وقرائهم. وخلال السنوات التالية، واجهت المؤسسة وصحفيوها استدعاءات وتحقيقات وملاحقات متكررة، قبل أن تصل القضية الأخيرة إلى حكم بإغلاق الموقع ومصادرة معداته.
تتعلق هذه القضية بإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص. وتقول «مدى مصر» إنها تقدمت بطلبات للحصول على الترخيص منذ صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام عام 2018، وإنها علمت برفض أحد طلباتها خلال تحقيق عام 2022، ثم طعنت على الرفض قضائيًا. وتقول المؤسسة أيضًا إن طلبًا آخر قدمته عام 2023 ظل دون رد حتى إحالة لينا إلى المحاكمة.
الترخيص في هذه الحالة يمنح أجهزة الدولة سلطة التأثير في وجود المؤسسة الصحفية نفسها. فالمؤسسة التي تبحث في أعمال السلطة وتراقب قراراتها وتراجع تصريحات مسؤوليها، تحتاج إلى موافقة جهة رسمية لكي تستمر في العمل. وإذا لم تحصل على الموافقة، تصبح معرضة للملاحقة والغرامة والغلق.
ما جرى لـ«مدى مصر» يكشف أثر هذه القواعد في الواقع. موقع صحفي يسعى للحصول على ترخيص، ويواصل عمله وينشر أخباره، ثم تواجه رئيسة تحريره المحاكمة بسبب إدارة الموقع دون ترخيص. وتنتهي الجلسة، وفق ما نشره الموقع، بالحكم بالغرامة في حدها الأقصى، والغلق، ومصادرة المعدات، واحتجاز لينا.
في هذه القضية، يستخدم القانون لتضييق مساحة الصحافة المستقلة والتحكم في شروط وجودها. والنتيجة التي نراها اليوم هي تهديد مؤسسة كاملة، وصحفييها والعاملين فيها، وحق قرائها في الوصول إلى ما تنشره.
ما الذي نخسره مع إغلاق مدى مصر؟
تحتاج متابعة قرارات السلطة إلى معلومات لا تتوافر دائمًا في البيانات الحكومية أو البرامج التي يخرج فيها المسؤولون لشرح سياساتهم. وتحتاج إلى صحفيين يقرأون الوثائق، ويبحثون عن الأرقام، ويتواصلون مع المصادر، ويستمعون إلى الناس الذين يعيشون أثر هذه القرارات.
على مدار سنوات، أدى «مدى مصر» هذا الدور في ملفات تتعلق بالاقتصاد والخدمات والسجون والعمل والعمران وغيرها. وكان جزءًا من قيمة ما ينشره أنه يتيح للقراء متابعة تفاصيل قد لا تظهر في الرواية الرسمية، ويقدم شهادات لأشخاص يصعب عليهم الوصول بأصواتهم إلى المجال العام.
في أحد تقاريره عن أوضاع الصحة، ناقش الموقع طريقة حساب الإنفاق الصحي، واتساع البنود التي تدخلها الحكومة في المخصصات، بما فيها نصيب جهات صحية من أعباء فوائد الديون. هذه التفاصيل تساعد القارئ على فهم الأرقام التي تعلنها الحكومة، وعلى مقارنتها بما يواجهه الناس في المستشفيات والوحدات الصحية، وما يدفعونه من أموالهم للحصول على العلاج.
الأمر نفسه ينطبق على القرارات الاقتصادية، وأوضاع السجون، وقضايا العمل، وغيرها من الموضوعات التي تتصل بحياة الناس. فمعرفة ما يجري داخل هذه الملفات تحتاج إلى عمل صحفي مستمر، وإلى مؤسسة تستطيع أن تخصص وقتًا وجهدًا للبحث، وأن تنشر النتائج وتتابع ما يحدث بعدها.
إغلاق الموقع ومصادرة معداته يهددان قدرة صحفييه على أداء هذا العمل. والخسارة تقع عليهم وعلى العاملين في المؤسسة وأسرهم، كما تقع على القراء الذين يحتاجون إلى مصدر مستقل للمعلومات، وعلى أصحاب الشهادات الذين يحتاجون إلى من يستمع إليهم وينقل ما يعرفونه.
يمكن لأي قارئ أن يختلف مع «مدى مصر» في معالجة موضوع، أو ينتقد خبرًا أو مقالًا نشره الموقع. الاختلاف والنقد جزء من علاقة الصحافة بجمهورها، ومن حق الناس أن يناقشوا ما تقوله المؤسسات الصحفية وأن يردوا عليه. أما إغلاق الموقع ومصادرة أدوات عمله، فيحرمان الصحفيين من عملهم والقراء من فرصة متابعة ما ينشرونه ومناقشته.
السلطة التي تتحكم فيما نعرفه
تحتكر السلطة في مصر جانبًا أساسيًا من المعلومات العامة. مؤسساتها تنتج البيانات وتحتفظ بالوثائق، وتقرر ما تتيحه منها، بينما يواجه الصحفيون والباحثون والناس عمومًا عراقيل في الوصول إلى معلومات تتعلق بشؤونهم ومواردهم.
وتملك السلطة أيضًا أدوات واسعة لنشر تفسيرها للواقع والقرارات التي تتخذها. فهي تعلن ما تريد عن الاقتصاد والخدمات والديون والسجون والإنفاق العام، وتستخدم وسائل الإعلام القريبة منها لتكرار رسائلها. أما الوصول إلى المعلومات التي تسمح بمراجعة هذه الرواية، فيحتاج إلى جهد مستقل يعمل وسط الحجب والملاحقة وصعوبة الوصول إلى المصادر.
هذه السيطرة تؤثر في قدرتنا على فهم المشكلات والتعامل معها. فمن الصعب أن نناقش حلول أزمة، أو نحدد المسؤولية عن تدهور خدمة، أو نقيم أثر قرار اقتصادي، إذا كنا لا نعرف حجم المشكلة وأسبابها، أو كانت المعلومات التي تصل إلينا مجتزأة ومضللة. المعلومة الصحيحة بداية ضرورية لأي محاولة جادة لفهم الواقع وتغييره.
تؤكد منظمة «المادة 19» أن المعلومات التي تحتفظ بها الجهات العامة ينبغي أن تكون متاحة للجمهور، وأن على الجهة التي تريد حجب معلومة أن تبرر قرارها في حدود استثناءات ضيقة. ويقوم هذا التصور على أن معرفة ما تفعله الحكومة شرط لمشاركة الناس في الشأن العام ومساءلة المسؤولين.
الصحافة المستقلة جزء أساسي من ممارسة هذا الحق. فهي تصل إلى أماكن ومصادر لا يستطيع معظم القراء الوصول إليها، وتبحث في الوثائق والبيانات، وتسأل المسؤولين، وتستمع إلى من يتأثرون بقراراتهم. وما تنشره يتيح للناس أن يقارنوا بين تصريحات الحكومة وما تكشفه الوقائع والشهادات، وأن يكوّنوا مواقفهم على أساس معرفة أوسع.
لهذا فإن الاعتداء على «مدى مصر» يمس حقنا جميعًا. فكل مساحة صحفية مستقلة تُحاصر أو تُغلق تجعل الوصول إلى المعلومات أصعب، وتمنح السلطة قدرة أكبر على تحديد ما نعرفه عن القرارات التي نتأثر بها.
الحكم بإغلاق «مدى مصر» ومصادرة معداته وتغريم لينا عطا الله ثلاثة ملايين جنيه، ثم احتجازها بعد الجلسة، يكشف إلى أي مدى وصلت السلطة في تعاملها مع الصحافة المستقلة. نحن أمام مؤسسة صحفية استمرت سنوات في العمل رغم الحجب والملاحقات، وأمام صحفيين حاولوا الوصول إلى المعلومات ونشرها، وأمام قراء يحتاجون إلى هذا العمل لفهم ما يجري حولهم.
أريد الإفراج عن لينا، وإلغاء الحكم بإغلاق «مدى مصر» ومصادرة معداته والغرامة المفروضة على رئيسة تحريره. وأريد أن تستمر المؤسسة في عملها، وأن يظل بإمكاننا أن نقرأ ما ينشره صحفيوها، ونعرف من خلالهم وقائع قد لا نصل إليها بأنفسنا. ما جرى اليوم اعتداء على «مدى مصر» ولينا، وعلى حقنا جميعًا في المعرفة.



