في النظم التي لا تملك مشروعًا اقتصاديًا يعيد توزيع الثروة، ولا تستند إلى شرعية ديمقراطية، تحتل الأدوات الأمنية مساحة أكبر في إدارة المجتمع. لكن القمع يحتاج بدوره إلى خطاب يبرره، وإلى عدو دائم يمكن تحميله مسؤولية الأزمات، وإلى تفسير يجعل الفوضى والخطر نابعين من المجتمع أكثر مما هما نتيجة لسياسات السلطة.
يمكن النظر من هذه الزاوية إلى التوجه الفاشي باعتباره ممارسة يومية تتجاوز شكل النظام السياسي. يجري تقديم الانحرافات الأخلاقية باعتبارها خطرًا يستحق المواجهة، بينما يصبح الفقر وتراجع الخدمات وغياب العدالة أوضاعًا على الناس التعايش معها. وتتقدم حماية «القيم» و«الأسرة» و«الهوية» في الخطاب العام، ويعاد تقديم القمع باعتباره ضرورة لحماية الاستقرار.
بهذا المنطق تُلاحق فتاة فقيرة بسبب فيديو على تيك توك بدعوى تهديد قيم الأسرة، ويظل آلاف الأشخاص في السجون بتهمة الانتماء إلى تنظيم رغم مرور سنوات على تفككه وانحسار أعضائه بين السجن والمنفى والمقابر. وتتحول ثورة يناير إلى خطيئة وطنية، والحديث عن الحقوق إلى شبهة، والنقد إلى مؤامرة.
هذه الوقائع تبدو متباعدة، لكن يجمعها منطق واحد: صناعة خطر دائم يبرر استمرار التدخل والقمع.
السلطة التي تفشل في تقديم تعليم جيد أو سكن لائق أو أجر عادل تطالب المواطن بالولاء وتعاقبه إذا لم يقدمه. وتتحول مسؤولية الإخفاق تدريجيًا إلى المجتمع نفسه. المشكلة في «الناس»، أو «الجهل»، أو «الأخلاق المنهارة»، أو «الفلاحين»، أو «السلفيين»، أو «القطيع». ويجري التعامل مع نتائج السياسات باعتبارها عيوبًا في المجتمع الذي خضع لهذه السياسات.
ساعد على ذلك خطاب إعلامي يحتفي بمنجزات ضخمة بلا مضمون اجتماعي واضح: الأضخم والأطول والأعظم، بالتوازي مع اتساع تدخل الأجهزة الأمنية في المجال العام، وإخضاع مؤسسات تعليمية وقضائية لتدريبات عسكرية تحمل دلالة واضحة على طبيعة العلاقة التي تريد السلطة بناءها مع مؤسسات يفترض أن تكون مستقلة عنها.
تغيرت في هذه العملية نظرة السلطة إلى المجتمع. المواطن مصدر محتمل للخطر، وطموحات التغيير محل اشتباه، والمؤسسات التي يفترض أن تسمح بالتمثيل والمشاركة، مثل النقابات والجامعات والإعلام، جرى إضعاف قدرتها على الفعل أو إخضاعها لرقابة أكثر إحكامًا.
ويتشكل بالتوازي نموذج محدد للمواطن المقبول. الطيب هو الساكت، والوفي هو الخاضع، والمحترم هو المطيع. والخروج عن هذه القوالب يمكن أن يصبح تهديدًا للأسرة أو الأمن أو الوطن.
ومع تراجع قدرة السلطة على تقديم إنجازات اجتماعية تمس حياة الناس، يتضخم حضور الأخلاق في خطابها. تظهر كلمات مثل «الصلاح» و«الانضباط» و«الأدب» و«الحياء» باعتبارها قضايا عامة تستحق تدخل أجهزة السلطة. وفي المقابل، تتراجع أسئلة العمل والأجور والتعليم والسكن والعدالة إلى مرتبة أخرى.
يسمح هذا التحول بإعادة تعريف الأزمة نفسها. فيديو على تيك توك يمكن أن يتحول إلى قضية مجتمع، بينما يصبح ارتفاع الأسعار أو تراجع الخدمات أمرًا اقتصاديًا على الناس التكيف معه. ويملك المسؤول مساحة واسعة للحديث عن «قيم الأسرة» و«الصورة الحضارية» و«الحياء»، حتى عندما لا يملك إجابة عن تدهور شروط حياة الناس.
وتساعد عبارات مثل «القيم المصرية» و«الأسرة المصرية» و«الهوية الوطنية» في هذه العملية بسبب اتساعها وصعوبة تحديد مضمونها. يمكن في كل مرة وضع شخص مختلف خارج حدودها: فتاة ترقص، شاب يكتب منشورًا، محتوى ساخر، هيئة غير مألوفة، أو شخص اختار طريقة مختلفة للحياة.
ولا يظل هذا الخطاب حكرًا على المؤسسات الرسمية. يعاد إنتاجه في الإعلام وخطب الجمعة والمناهج والجامعات ومداخلات الأهالي في البرامج. ويشارك إعلاميون ورجال دين وأكاديميون ونخب اقتصادية في إعادة تقديم المنطق نفسه بلغات مختلفة.
عند هذه النقطة لا تحتاج عملية الضبط دائمًا إلى تدخل مباشر من السلطة. الناس يراقبون بعضهم بعضًا، والمختلف يمكن أن يواجه التشهير أو تهديد الإدارة أو الفصل من المدرسة أو الضغط داخل العمل والعائلة. ويصبح المجتمع نفسه جزءًا من آلية الرقابة.
يظهر ذلك أيضًا في الطريقة التي يجري بها التعامل مع الاحتجاج أو الاعتراض. من يعترض على الغلاء يمكن اتهامه بأنه مدفوع من الخارج، ومن يتحدث عن العدالة الاجتماعية يصبح حاقدًا على الأغنياء، ومن يختلف في مظهره أو طريقة تعبيره يمكن اعتباره تهديدًا للقيم. تتغير الواقعة والمتهم، بينما تبقى المسؤولية بعيدة عن السياسات التي أنتجت الأزمة.
لهذا يصبح الحديث عن «الفاشية اليومية» مفيدًا لفهم ما يجري خارج أجهزة القمع المباشر. المسألة تتعلق أيضًا بطريقة النظر إلى المجتمع، وبالمعايير التي تحدد المواطن المقبول، وباستخدام الخوف والأخلاق في ضبط السلوك، وبإشراك قطاعات من المجتمع نفسه في الدفاع عن هذه المعايير.
ومع ذلك، لا تعالج هذه الأدوات أسباب الغضب. تستطيع السلطة منع أشكال كثيرة من التعبير عنه، وإغلاق مساحات التنظيم والعمل العام، لكنها لا تستطيع بالقمع وحده معالجة ارتفاع الأسعار أو تراجع الأجور والخدمات أو الشعور المستمر بالإهانة والانسداد.
ويظهر هذا الغضب في وقائع تبدو أحيانًا صغيرة أو منفصلة: احتجاج على قانون الإيجارات، أو صرخة من عجوز تريد أن تأكل، أو السخط من استفزازات «جمهورية الساحل»، أو الغضب من الموقف تجاه العدوان على غزة، أو الاستياء من انتخابات لا تقنع قطاعات من الناس. لا تعني هذه الوقائع بالضرورة أن انفجارًا وشيكًا سيحدث، لكنها تكشف عن فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي وحياة الناس.
سبق أن ظهرت فجوة مشابهة قبل يناير 2011. خلال 2009 و2010 كانت الاحتجاجات العمالية والاجتماعية والإضرابات واتساع السخط السياسي واضحة، من دون أن يكون ممكنًا وقتها معرفة الشكل الذي ستأخذه الأحداث لاحقًا. الاستقرار الظاهر لم يكن دليلًا على غياب الأزمة.
الظروف الحالية مختلفة، والمقارنة لا تعني افتراض تكرار المسار نفسه. لكنها تذكر بحدود القمع كأداة للحكم. إغلاق المجال العام قد يخفي حجم الأزمة ويمنع ظهورها في أشكال منظمة، لكنه لا يعالج أسبابها.
المشكلة الأكبر في هذا النموذج أنه يحتاج باستمرار إلى أعداء. في كل أزمة يمكن العثور على شخص أو مجموعة لتحميلها المسؤولية: معارض، صحفي، فتاة على تيك توك، فقير، مهاجر، أو المجتمع نفسه. تتغير قائمة المتهمين، وتبقى السياسات التي أنتجت الأزمة خارج دائرة المساءلة.
وهكذا تصبح صناعة الأعداء جزءًا من طريقة إدارة الفشل. وكلما ضاقت مساحة السياسة والمحاسبة، اتسعت مساحة الأخلاق والخوف والاتهام. استعادة السياسة تبدأ من إعادة المسؤولية إلى مكانها: أن تُناقش السلطة على أساس ما تقدمه في التعليم والسكن والأجور والخدمات والعدالة، وأن يستطيع الناس التنظيم والتعبير والمشاركة من دون أن يتحول اختلافهم إلى دليل اتهام.



