في مصر، ليست مشكلة المعلومات مجرد نقص في البيانات أو قصور مؤسسي عارض. هناك تاريخ طويل من التعامل مع المعلومات باعتبارها شيئًا تملكه المؤسسات العامة وتقرر ما تتيحه منه وما تحتفظ به.
يظهر ذلك في البيانات الاقتصادية والاجتماعية والصحية، وفي الوثائق والأرشيفات، وفي صعوبة الوصول إلى المعلومات التي تسمح للمجتمع بتقييم السياسات العامة ومحاسبة المسؤولين عنها. ما يُعلن وما يُحجب يؤثر في الصورة التي يستطيع الناس تكوينها عن واقعهم.
هذا النمط ليس جديدًا، لكنه أصبح أكثر حدة خلال السنوات الأخيرة. ففي مقابل الوفرة الكبيرة في البيانات والأرقام الرسمية المتعلقة بمعدلات النمو والاستثمارات والمشروعات والإنجازات العمرانية، يصعب في أحيان كثيرة الوصول إلى بيانات تفصيلية ومحدثة عن الفقر والدخل والإنفاق والصحة والتعليم وغيرها من المجالات التي تسمح بقياس أثر السياسات على حياة الناس.
غياب المعلومة أو تأخرها ليس دائمًا مسألة تقنية. توقيت النشر، وطريقة عرض البيانات، ومستوى التفاصيل المتاحة، كلها تحدد ما يستطيع المجتمع معرفته.
لهذا لا يمكن فصل الحديث عن الشفافية عن طبيعة العلاقة بين المؤسسات العامة والمواطنين. الحق في المعرفة يفترض أن الأصل هو إتاحة المعلومات، وأن الحجب يحتاج إلى سبب محدد. أما عندما تصبح المؤسسة صاحبة السلطة في تحديد ما يعرفه الناس، تنقلب العلاقة: الإتاحة تصبح استثناء، والحجب هو الوضع المعتاد.
المعلومة كأداة سياسية وصناعة المجهول
المشكلة لا تبدأ فقط عندما تمنع معلومة بصورة صريحة. يمكن التحكم في المعرفة بطرق أخرى: تأخير النشر، أو نشر أرقام إجمالية من دون التفاصيل اللازمة لفهمها، أو تغيير طريقة عرض البيانات، أو عدم إتاحة المنهجية التي جُمعت على أساسها.
تظهر أهمية ذلك بوضوح في بيانات الدخل والإنفاق التي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وتُستخدم في حساب معدلات الفقر. تأخير صدور هذه البيانات أو عدم انتظام إتاحتها لا يحرم الباحثين من رقم فقط، وإنما يجعل من الصعب متابعة التحولات التي طرأت على مستوى معيشة المصريين وتقييم أثر السياسات الاقتصادية عليهم.
المسألة إذن ليست الرقم في ذاته. الرقم يدخل في النقاش العام حول نجاح السياسات أو فشلها. ارتفاع معدلات الفقر، مثلًا، يطرح أسئلة مختلفة عن تلك التي تطرحها أرقام النمو أو حجم الاستثمارات. ولهذا فإن إتاحة مجموعة من الأرقام وغياب مجموعة أخرى ينتجان صورة ناقصة، حتى إذا كانت كل الأرقام المنشورة صحيحة في ذاتها.
الأمر نفسه ينطبق على مؤشرات البطالة والتضخم. نشر رقم دوري لا يكفي وحده لفهم الواقع. نحتاج أيضًا إلى معرفة طريقة حسابه، وما الذي يدخل فيه وما الذي يخرج منه، وإلى بيانات تسمح للباحثين والصحفيين بمراجعة مدلوله ومقارنته بتجربة الناس اليومية.
من هنا تأتي فكرة «صناعة المجهول».
الجهل لا ينتج فقط عن غياب المعلومات. يمكن أن ينتج أيضًا عن وجود معلومات لا تكفي للإجابة عن الأسئلة الأساسية.
قد نعرف الرقم الإجمالي ولا نعرف توزيعه. نعرف المتوسط ولا نعرف الفروق بين الطبقات أو المناطق. نعرف النتيجة ولا نملك البيانات التي تسمح بفهم أسبابها.
وهذا فارق مهم. فالمعلومة الجزئية قد تكون صحيحة، لكنها لا تمنح بالضرورة معرفة كافية بالواقع.
ويظهر الارتباك بصورة أكثر مباشرة في أوقات الأزمات والحوادث الكبرى، عندما تتعدد الأرقام أو تتغير الحصيلة ولا تتوافر جهة تقدم بصورة منتظمة معلومات واضحة ومحدثة. المشكلة هنا تتجاوز الارتباك الإعلامي؛ غياب المعلومات الدقيقة يجعل تقييم المسؤولية ومراجعة ما حدث أكثر صعوبة.
التحكم في المعلومات لا يتعلق بالحاضر وحده. هناك أيضًا سؤال الذاكرة.
الأرشيفات والمناهج التعليمية والوثائق الرسمية تحدد جانبًا مهمًا مما يمكن معرفته عن الماضي. ما يُحفظ، وما يُتاح للباحثين، وما يظل مغلقًا، كلها قرارات تؤثر في كتابة التاريخ.
ولا يعني ذلك أن هناك رواية رسمية واحدة قادرة على محو كل الروايات الأخرى. الذاكرة أكثر تعقيدًا من ذلك. هناك صحف وكتب وشهادات شخصية وأرشيفات خاصة ووثائق تحتفظ بها منظمات وأفراد، وهناك اليوم إمكانات أكبر لحفظ المواد رقميًا وتداولها.
لكن وجود أرشيف رسمي مغلق أو صعوبة الوصول إلى الوثائق يظل مشكلة حقيقية، لأن كتابة التاريخ لا تستطيع الاعتماد إلى ما لا نهاية على الذاكرة الشخصية والمصادر المتناثرة.
من هنا تأتي أهمية الأرشيفات المستقلة ومشروعات التاريخ الشفوي والتوثيق الرقمي. قيمتها ليست فقط في تقديم رواية مختلفة عن الرواية الرسمية، وإنما في حفظ مواد قد تضيع، وإتاحة مصادر يمكن للباحثين والجمهور الرجوع إليها ومراجعتها.
الأهم هنا ألا نستبدل احتكارًا باحتكار آخر. الهدف ليس إنتاج «حقيقة بديلة» مغلقة في مواجهة الحقيقة الرسمية، وإنما توسيع دائرة المصادر المتاحة بحيث يصبح من الممكن المقارنة والمراجعة والاختلاف.
المعرفة كفعل مقاومة
في بيئة يصعب فيها الوصول إلى المعلومات، يصبح جمعها وتوثيقها ونشرها عملًا يتجاوز الجانب التقني.
توثيق أعداد المحبوسين احتياطيًا، أو نشر بيانات عن الفقر، أو التحقيق في حادثة عامة، كلها أعمال تسمح للمجتمع بمعرفة شيء كان يمكن أن يظل مجهولًا أو محل روايات متعارضة.
وقد لعبت المنظمات الحقوقية والصحافة المستقلة والباحثون دورًا مهمًا في هذا المجال. لكن قيمة هذا العمل لا تأتي من كونه ينتج تلقائيًا «رواية مضادة»، وإنما من قدرته على تقديم معلومات يمكن فحصها والرجوع إلى مصادرها ومناقشتها.
وهذا تمييز أراه ضروريًا.
المشكلة في احتكار المؤسسات الرسمية للمعلومات ليست فقط أننا قد نختلف مع الرواية التي تقدمها. المشكلة الأكبر هي غياب القدرة على اختبارها.
إذا قالت مؤسسة إن نسبة ما ارتفعت أو انخفضت، فمن حق الباحث أن يعرف كيف حُسبت. وإذا أعلنت جهة عددًا لضحايا حادثة، فمن حق الصحفي أن يستطيع مراجعته. وإذا قدمت الحكومة تقديرًا لنجاح سياسة عامة، فمن حق المجتمع أن يصل إلى البيانات التي تسمح بتقييم هذا التقدير.
بهذا المعنى، المعرفة جزء من المساءلة.
لكن المعرفة وحدها لا تكفي.
يمكن أن تتوافر البيانات ولا يحدث شيء. يمكن نشر تقرير موثق ثم يختفي بعد أيام من النقاش. ويمكن أن يكشف تحقيق صحفي مشكلة واضحة من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير السياسة أو محاسبة المسؤولين عنها.
المعلومة لا تتحول تلقائيًا إلى قوة سياسية.
تحتاج إلى صحافة تستطيع نشرها، وباحثين يستطيعون تحليلها، ومؤسسات رقابية تستطيع استخدامها، وتنظيمات اجتماعية وسياسية تستطيع تحويلها إلى مطالب، وآليات للمساءلة تسمح بأن تترتب على الكشف نتائج.
وفي غياب هذه المؤسسات، تظل قيمة المعرفة قائمة، لكنها تصبح محدودة في قدرتها على تغيير السياسات.
هذه النقطة مهمة لأن المبالغة في قدرة المعرفة قد تؤدي إلى تصور أن مجرد كشف الحقيقة يكفي.
تجارب كثيرة تقول غير ذلك. الحقائق يمكن أن تكون معروفة ولا يتغير شيء، ويمكن أن تكون الانتهاكات موثقة ولا تحدث مساءلة. المسافة بين المعرفة والفعل السياسي ليست قصيرة ولا تلقائية.
ومع ذلك، يظل إنتاج المعرفة ضروريًا.
من دون معلومات يصعب حتى تحديد المشكلة التي نريد تغييرها. ومن دون توثيق تضيع الخبرة مع الوقت. ومن دون أرقام ووثائق وشهادات يصبح النقاش العام أكثر اعتمادًا على الانطباعات والروايات التي يصعب اختبارها.
المعرفة هنا لا تقدم الحل، لكنها توفر المادة التي يمكن أن يبدأ منها النقاش والفعل.
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية أكبر في مجتمع يعاني من ضعف الذاكرة المؤسسية. مشروعات كثيرة تبدأ من الصفر لأن ما سبقها لم يُحفظ، وتجارب تتكرر لأن تفاصيل التجارب السابقة لم تعد متاحة، وأحداث مهمة تبقى معروفة لمن عاشوها ثم تختفي تدريجيًا مع مرور الوقت.
لهذا فإن حفظ الوثائق والشهادات والبيانات ليس عملًا منفصلًا عن المجال العام. هو جزء من بناء ذاكرة يستطيع الآخرون استخدامها بعد سنوات.
وفي هذا المعنى تحديدًا يمكن النظر إلى المعرفة باعتبارها شكلًا من أشكال المقاومة.
ليس لأنها تسقط السلطة بمجرد نشر معلومة، ولا لأن كل تقرير مستقل يغير ميزان القوى، وإنما لأنها تقلل مساحة المجهول، وتحفظ ما يمكن أن يضيع، وتتيح للآخرين مادة يستطيعون استخدامها في الفهم والمراجعة والمحاسبة.
المعركة حول المعلومات ليست معركة على الأرقام وحدها.
الرقم يحدد كيف نفهم الفقر والبطالة والتضخم. الوثيقة تؤثر في الطريقة التي نكتب بها تاريخ واقعة أو مؤسسة. الأرشيف يحدد ما يمكن للباحث الوصول إليه بعد عشرين أو ثلاثين عامًا. والمعلومة التي لا تُحفظ اليوم قد يصبح استعادتها لاحقًا مستحيلًا.
لهذا فإن الحق في المعرفة يتعلق في النهاية بقدرة المجتمع على معرفة نفسه.
أن يستطيع الناس الوصول إلى المعلومات المتعلقة بحياتهم، وأن يستطيع الباحث مراجعة الوثائق، وأن يستطيع الصحفي اختبار الرواية الرسمية، وأن تبقى المواد متاحة لمن سيأتي بعدنا.
هذه المعرفة لا تضمن التغيير، ولا تصنع وحدها مجالًا عامًا مفتوحًا. لكنها تجعل النقاش ممكنًا على أرض أكثر صلابة.
وفي بلد تصبح فيه المعلومات صعبة الوصول، يصبح الحفاظ عليها وإتاحتها عملًا له قيمة تتجاوز اللحظة التي جُمعت فيها.
لأن ما لا نعرفه اليوم لا نستطيع مساءلة أحد عنه، وما لا نوثقه اليوم قد لا نستطيع حتى إثبات أنه حدث غدًا.



