يمكن أن يعيش الإنسان داخل وطنه، ويحمل أوراقه الرسمية، ويخضع لقوانينه، ثم يجد نفسه في موقع أقرب إلى الغريب. لا يتعلق الأمر هنا بالشعور بالاغتراب، وإنما بوضع تصنعه نصوص وإجراءات تمنح الشخص الالتزامات التي تفرضها المواطنة، بينما تضيق في الوقت نفسه مساحة الحقوق والضمانات المتاحة له.
هذه إحدى الطرق التي يمكن بها النظر إلى ما أسميه «شرعية العزل». فالقانون لا يعمل دائمًا بالطريقة نفسها مع الجميع. بعض النصوص تحدد منذ البداية فئات أو أفعالًا باعتبارها مصدرًا للخطر، ثم تمنح السلطة مساحة واسعة للتعامل معها خارج الضمانات التي يفترض أن يوفرها القانون. ويصبح الاستبعاد في هذه الحالة جزءًا من بنية النص والإجراءات التي تحيط به.
تساعد الصياغات الفضفاضة على توسيع هذه المساحة. تعبيرات مثل «قيم الأسرة» و«الأمن القومي» و«التحريض» يمكن استخدامها في وقائع شديدة الاختلاف، ويصعب في أحيان كثيرة تحديد الحدود الفاصلة بين السلوك المباح وما تعتبره السلطة خروجًا على هذه القيم أو تهديدًا للأمن.
المشكلة هنا تتجاوز غموض الصياغة القانونية. فكلما اتسع التعريف، اتسعت سلطة الجهة التي تطبقه في تحديد من يقع داخله. ويصبح السلوك الذي لا يتوافق مع التصور الرسمي للمجتمع قابلًا للتجريم أو العقاب أو الاستبعاد.
يظهر ذلك في مجالات مختلفة. العامل الذي يحاول التنظيم خارج الأطر النقابية التي تعترف بها السلطة يواجه قيودًا قانونية وإدارية تحد من قدرته على التنظيم. وتواجه النساء أشكالًا من التجريم تستند إلى مفاهيم أخلاقية واسعة. كما يمكن أن تستخدم مفاهيم النظام العام أو حماية القيم في مواجهة معتقدات أو طرق حياة لا تتوافق مع النموذج الذي تقبله السلطة.
القاسم المشترك بين هذه الحالات هو أن القانون لا ينظم الفعل فقط، وإنما يضع حدودًا لما تعتبره السلطة سلوكًا مقبولًا، ثم يرتب آثارًا قانونية على تجاوز هذه الحدود.
ويمتد الأمر إلى المعرفة والذاكرة. فالوصول إلى المعلومات والوثائق والأرشيفات ليس مسألة منفصلة عن المواطنة. قدرة المجتمع على معرفة ما حدث، وكيف اتخذت القرارات، ومن كان مسؤولًا عنها، شرط أساسي لفهم الحاضر ومساءلة السلطة.
القيود الواسعة على تداول المعلومات، واستخدام اعتبارات الأمن في حجب الوثائق، وإغلاق أجزاء من الأرشيف، تجعل كتابة التاريخ القريب أكثر صعوبة. وفي غياب المعلومات لا تبقى الروايات متساوية في قدرتها على الوصول إلى المجال العام. تمتلك السلطة مؤسساتها ووثائقها وإعلامها، بينما يظل من يريد تقديم رواية أخرى مطالبًا بالبحث عن مصادر يصعب الوصول إليها أو لا يسمح القانون بإتاحتها أصلًا.
بهذا المعنى يمكن أن يصبح الإنسان غريبًا عن جزء من تاريخه. يعرف النتيجة التي يعيشها، لكنه لا يستطيع دائمًا الوصول إلى الوثائق التي تشرح كيف وصل إليها. وتزداد المشكلة مع الرقابة الرقمية وحجب المواقع ومراقبة المجال الإلكتروني، لأنها تضيق أيضًا المساحات التي يمكن من خلالها إنتاج معرفة مستقلة أو تداول روايات مختلفة.
ويظهر شكل آخر من العزل في العلاقة بالمكان. قوانين البناء والإيجارات وسياسات إزالة المناطق غير الرسمية لا تتعامل فقط مع العقارات؛ فهي تحدد أيضًا من يستطيع البقاء في مكانه، ومن يمكن نقله، وما الذي تعتبره السلطة سكنًا مشروعًا أو منطقة تستحق الإزالة والتطوير.
تزداد خطورة ذلك عندما توضع معايير التخطيط بمعزل عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية للسكان. الشخص الذي عاش سنوات في منطقة لا تعترف بها الخريطة الرسمية قد يجد نفسه في لحظة معينة مخالفًا للقانون، رغم أن وجوده في هذا المكان سبق أحيانًا الخطة نفسها.
وتكشف هذه الحالات عن انحياز واضح في الطريقة التي توزع بها الحماية القانونية. الملكية المسجلة والقدرة المالية والامتثال لمتطلبات التخطيط تمنح أصحابها وضعًا أكثر استقرارًا، بينما يعيش آخرون تحت احتمال الإزالة أو النقل أو فقدان مصدر الرزق بقرار إداري. ويصبح الحق في المدينة مرتبطًا بالقدرة على استيفاء شروط لا يملك الجميع أصلًا الموارد اللازمة لتحقيقها.
يصل العزل إلى صورته الأشد وضوحًا في الحبس المطول والتدوير. هنا لا نتحدث عن مواطن حرم من خدمة أو تعرض لقيد إداري، وإنما عن شخص يمكن أن يقضي سنوات من حياته داخل سلسلة من الإجراءات التي تمنع خروجه من الحبس.
تظهر مشكلة التدوير بوضوح عندما يصدر قرار بإخلاء سبيل المتهم أو تنتهي مدة حبسه في قضية، ثم يجد نفسه متهمًا في قضية جديدة تسمح باستمرار حبسه. وتكرار هذه العملية يجعل الإجراء نفسه وسيلة لاستمرار الحرمان من الحرية، حتى قبل صدور حكم نهائي بالعقوبة.
في هذه الحالة تفقد الضمانات معناها العملي تدريجيًا. فهناك ملف قضية، وتحقيقات، وقرارات حبس وتجديد، ومحامون ونيابة ومحاكم، أي أن الشكل القانوني موجود بالكامل. لكن تكرار الإجراءات يمكن أن يؤدي في النهاية إلى النتيجة نفسها التي يفترض أن تمنعها هذه الضمانات: بقاء شخص في الحبس لفترة طويلة من دون حكم نهائي يبرر هذه المدة.
وهذا ربما أكثر ما يكشف طبيعة العزل القانوني. المشكلة لا تحتاج دائمًا إلى تعطيل القانون بصورة معلنة. يمكن أن تحدث من خلال القانون نفسه، باستخدام نصوص واسعة وإجراءات تبدو منفردة مشروعة، بينما يؤدي تراكمها إلى حرمان فئات بعينها من الضمانات المتاحة نظريًا للجميع.
النتيجة تتجاوز الأشخاص الذين يتعرضون مباشرة لهذه الإجراءات. فالقانون يستمد جزءًا مهمًا من قوته من الاعتقاد بأنه يوفر حدًا من الحماية يمكن توقعه والاحتكام إليه. وعندما تصبح هذه الحماية متفاوتة، يبدأ الناس في التعامل مع القانون باعتباره خطرًا ينبغي تجنبه أو أداة لا يمكن الاعتماد عليها.
عندها يصبح السؤال عن المواطنة سؤالًا عمليًا جدًا: هل يستطيع الشخص أن ينظم نفسه مع آخرين؟ هل يستطيع الوصول إلى المعلومات؟ هل يضمن البقاء في بيته؟ هل يستطيع التعبير عن نفسه من دون أن يقع تحت تعريف قانوني فضفاض؟ وإذا حرم من حريته، هل تظل الإجراءات والضمانات قادرة فعلًا على حمايته؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد المسافة بين المواطنة باعتبارها صفة مكتوبة في الأوراق، والمواطنة باعتبارها مجموعة من الحقوق يمكن استخدامها في الواقع.
«شرعية العزل» بهذا المعنى لا تصنع غرباء بالمعنى القانوني المباشر، ولا تسقط الجنسية عنهم. هي تصنع درجات متفاوتة من القدرة على استخدام الحقوق. يظل الشخص مواطنًا في الأوراق، لكنه قد يجد أن بعض الضمانات التي يفترض أن ترتبط بهذه الصفة أصبحت بعيدة عنه.
لهذا فإن مواجهة العزل تبدأ من استعادة عمومية الحقوق والضمانات: نصوص أكثر تحديدًا، وإجراءات يمكن مراقبتها ومراجعتها، وإتاحة المعلومات، وحماية الحق في التنظيم والسكن والتعبير، وضمانات حقيقية للحرية الشخصية. قيمة القانون في النهاية لا تقاس فقط بما يعلنه من حقوق، وإنما بقدرة الناس، جميع الناس، على استخدامها.



