المقال الأول: عبد الناصر والقضاة: من الاعتداء على السنهوري إلى إعادة تشكيل مجلس الدولة

Facebook
Twitter

عبد الناصر والقضاة: من الاعتداء على السنهوري إلى إعادة تشكيل مجلس الدولة

القضاء والسلطة في السنوات الأولى لحكم الضباط

ارتبط الصدام المبكر بين سلطة يوليو والمؤسسة القضائية بالتحولات السياسية والاجتماعية التي بدأت بعد 1952. فقد تولى ضباط الجيش السلطة، وألغوا الملكية، وحلوا الأحزاب السياسية، وبدأوا التدخل في علاقات الملكية من خلال الإصلاح الزراعي. وجرت هذه التحولات في ظل صراع على مستقبل الحكم، وموقع القوى السياسية والاجتماعية المختلفة في النظام الجديد.

ورث الضباط جهازا قضائيا وإداريا تطور في ظل النظام الملكي ودستور 1923، وكانت له علاقات بالنخب السياسية والاجتماعية التي حكمت البلاد. لكنه احتفظ أيضا بتقاليد مهنية ومساحات من الاستقلال المؤسسي، وضم رجال قانون اختلفوا في مواقفهم من النظام القديم ومن حركة يوليو نفسها.

احتاج الضباط إلى خبرات رجال القانون لإدارة مؤسسات الحكم وصياغة التشريعات وتنفيذ القرارات الجديدة. فقد تطلب إقصاء الملك وإعادة تنظيم المؤسسات السياسية وإصدار تشريعات الإصلاح الزراعي الاستعانة بجهاز إداري وقضائي قادر على تحويل القرارات السياسية إلى قواعد ملزمة. وفي المقابل، اتجه مجلس قيادة الثورة إلى تركيز السلطة في أيدي أعضائه، ورفض أن تتحول المؤسسات القانونية إلى قيد على قراراته.

نشأ عن هذا التناقض مساران متوازيان في التعامل مع القضاء. استهدف الأول التدخل في المؤسسات القضائية القائمة، وظهر بوضوح في المواجهة مع عبد الرزاق السنهوري وإعادة تشكيل مجلس الدولة. أما الثاني فتمثل في إنشاء محاكم استثنائية تتولى الفصل في القضايا المرتبطة بالصراع السياسي والاحتجاجات الاجتماعية، بعيدا عن الإجراءات والضمانات المقررة أمام القضاء العادي.

السنهوري ومجلس الدولة: من التعاون إلى الصدام

كان عبد الرزاق السنهوري، رئيس مجلس الدولة، من أبرز رجال القانون الذين تعاونوا مع حركة يوليو في بدايتها. ففي 31 يوليو 1952، قدم مجلس الدولة رأيا قانونيا بشأن عدم إعادة البرلمان المنحل إلى الانعقاد، وساعد الضباط على تجاوز واحدة من أولى المشكلات الدستورية التي واجهتهم بعد إقصاء الملك.

رأى السنهوري في حركة يوليو فرصة لإجراء إصلاحات سياسية واجتماعية، وكان تعاونه مع الضباط مرتبطا بتصوره لإمكانية تحقيق هذه الإصلاحات من خلال مؤسسات الحكم والقانون. لكن الخلاف بدأ يتسع مع اتجاه مجلس قيادة الثورة إلى تثبيت حكم العسكريين وإقصاء القوى السياسية الأخرى.

بلغ الصراع ذروته خلال أزمة مارس 1954، التي ارتبطت بالخلاف بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر حول مستقبل الحكم وعودة الجيش إلى ثكناته واستعادة الحياة الدستورية والنيابية. وفي 25 مارس، أعلن مجلس قيادة الثورة قرارات تضمنت السماح بقيام الأحزاب السياسية واتخاذ خطوات نحو عودة الحكم الدستوري. لكن هذه القرارات سرعان ما تراجعت تحت ضغط الصراع داخل السلطة والمظاهرات التي خرجت مطالبة باستمرار مجلس قيادة الثورة ورافضة عودة الأحزاب والبرلمان.

انحاز السنهوري إلى الاتجاه المطالب بعودة الحياة الدستورية. واكتسب موقفه أهمية خاصة بسبب رئاسته لمجلس الدولة، المؤسسة التي استعان بها الضباط في تثبيت قراراتهم الأولى. فقد أصبح لرئيس هذه المؤسسة موقف سياسي يتعارض مع استمرار الحكم العسكري، وأتاح موقعه للقوى المطالبة بعودة الحكم النيابي سندا قانونيا ومؤسسيا.

وفي 29 مارس 1954، اقتحم متظاهرون مقر مجلس الدولة واعتدوا على السنهوري بالضرب. وقد اتهم السنهوري عبد الناصر بالوقوف وراء الاعتداء، وإن كانت الروايات المتاحة لا تكفي للجزم بصدور أمر مباشر منه بتنفيذه.

انتهت الأزمة بإبعاد السنهوري عن رئاسة المجلس، في سياق انتصار الاتجاه المتمسك باستمرار حكم الضباط. وبعد عام واحد، انتقلت السلطة من مواجهة رئيس المؤسسة إلى التدخل في تكوينها باستخدام التشريع.

القانون 165 لسنة 1955: إقصاء القضاة باسم إعادة التنظيم

في مارس 1955، صدر القانون رقم 165 بشأن تنظيم مجلس الدولة. وتضمن تعديلات على اختصاصات المجلس وتنظيم العمل داخله، إلى جانب بعض المزايا الوظيفية لأعضائه. لكن المادة 77 أتاحت إعادة تعيين أعضاء المجلس وموظفيه الفنيين بقرار من مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ العمل بالقانون.

أما الأعضاء الذين لا تشملهم قرارات إعادة التعيين، فقد نص القانون على الاحتفاظ بدرجاتهم ومرتباتهم بصفة شخصية لمدة لا تتجاوز أربعة أشهر، يجري خلالها تعيينهم في وظائف أخرى.

وفي 30 مارس 1955، صدر قرار مجلس الوزراء بإعادة تشكيل المجلس، مستبعدا ثمانية عشر من أعضائه.

استخدمت السلطة القانون لتجاوز الضمانات التي تحمي القضاة من الإبعاد، وجعلت استمرارهم في وظائفهم مرتبطا بقرار سياسي بإعادة تعيينهم. فقد أتاحت المادة 77 استبعاد أعضاء المجلس دون الحاجة إلى إقامة دعاوى تأديبية ضدهم أو إثبات ارتكابهم مخالفات تستوجب إبعادهم من مناصبهم.

وجاء هذا التدخل ضمن قانون تضمن إصلاحات تنظيمية ومزايا وظيفية، وهو ما أتاح تقديم إعادة تشكيل المجلس باعتبارها جزءا من تطوير المؤسسة. فقد جمعت السلطة بين تحسين بعض شروط العمل القضائي وإضعاف الضمانات التي تحمي القضاة من تدخلها.

ولم يكن موقف رجال القضاء من القانون موحدا. فقد دافع المستشار السيد علي السيد عن بعض جوانبه، وسعى إلى تقليل عدد المستبعدين وإيجاد وظائف بديلة لهم، بينما اعترض قضاة آخرون على المادة 77 وما ترتب عليها من إضعاف لضمانات استقلالهم.

ويعرض فاروق عبد البر، في كتابه دور مجلس الدولة المصري في حماية الحقوق والحريات العامة، الخلافات التي صاحبت إعادة التشكيل والمواقف المختلفة لرجال المجلس من القانون. وقد عكست هذه المواقف اختلاف تقديرات القضاة بشأن التعامل مع السلطة، بين محاولة الحفاظ على المؤسسة من خلال التفاهم معها، والتمسك بالضمانات التي تحمي أعضاءها من التدخل السياسي.

استطاعت السلطة الاستفادة من هذه الاختلافات لإعادة تشكيل مجلس الدولة، بمشاركة بعض رجال القضاء في الدفاع عن القانون أو محاولة الحد من آثاره. وأصبحت عضوية القضاة في المؤسسة التي تختص بمراقبة مشروعية القرارات الإدارية خاضعة لقرار من مجلس الوزراء، دون إلغاء المجلس أو إنهاء اختصاصاته.

القضاء الاستثنائي: مواجهة الخصوم السياسيين والاحتجاج الاجتماعي

بدأ إنشاء المحاكم الاستثنائية منذ الأسابيع الأولى بعد يوليو، في مسار مواز للتدخل في المؤسسات القضائية القائمة. فقد استخدمت السلطة هذه المحاكم للتعامل مع القضايا المرتبطة بالصراع السياسي والاحتجاجات الاجتماعية، مع استمرار القضاء العادي في الفصل في المنازعات المدنية والتجارية والإدارية.

في أغسطس 1952، أُحيل عمال من شركة مصر للغزل والنسيج بكفر الدوار إلى محكمة عسكرية، على خلفية احتجاجات عمالية، وانتهت المحاكمة بإعدام العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري.

كانت محاكمة كفر الدوار مؤشرا مبكرا على حدود الإصلاح الاجتماعي الذي تبنته السلطة الجديدة. فقد بدأ الضباط اتخاذ إجراءات لإعادة توزيع ملكية الأراضي الزراعية، وقدموا أنفسهم باعتبارهم معبرين عن مصالح الفئات الشعبية، لكنهم تعاملوا مع الاحتجاج العمالي المستقل باعتباره تهديدا يستدعي استخدام القضاء العسكري. وأصبح تحسين أوضاع العمال والفلاحين مرتبطا بالقرارات التي تتخذها السلطة من أعلى، مع تضييق المساحة المتاحة للتنظيم والاحتجاج خارج سيطرتها.

وفي ديسمبر 1952، صدر المرسوم بقانون رقم 344 لسنة 1952 بشأن جريمة الغدر، المعدل بالقانون رقم 173 لسنة 1953، وأنشأ محكمة خاصة لمحاكمة بعض رجال النظام الملكي. وتشكلت المحكمة من ثلاثة قضاة وأربعة ضباط، بما منح العسكريين أغلبية داخل هيئتها.

وامتد استخدام المحاكم الخاصة إلى الخصوم الذين ظهروا بعد يوليو. ففي سبتمبر 1953، أصدر مجلس قيادة الثورة أمرين، في 13 و16 سبتمبر، بإنشاء محكمة الثورة وتشكيلها وتحديد اختصاصاتها. وضمت المحكمة عبد اللطيف البغدادي رئيسا، وأنور السادات وحسن إبراهيم عضوين، وجميعهم من أعضاء مجلس قيادة الثورة.

ومنحها مجلس قيادة الثورة اختصاصا بالنظر في القضايا التي يقرر إحالتها إليها، حتى لو كانت منظورة أمام المحاكم العادية. كما أجاز لها النظر في أفعال سابقة على صدور أمر تشكيلها، وتوقيع عقوبات دون التقيد بجميع الحدود المقررة في قانون العقوبات.

وتظهر طبيعة هذا القضاء في التصريح الذي صاحب إنشاء محكمة الثورة، والذي نقلته محكمة النقض في حكمها الصادر في 23 يونيو 1955، بالطعن رقم 3 لسنة 25 قضائية. فقد أعلن مجلس قيادة الثورة أنه لا يرى ترك القضايا المتعلقة بالثورة للقضاء العادي، مبررا ذلك بأن القوانين العادية وضعت لظروف الحياة الطبيعية، وأن القضاة لا يستطيعون تجاوز القيود التي تفرضها عليهم.

واللافت أن محكمة النقض، في الحكم نفسه، اعتبرت الأمرين الصادرين بإنشاء محكمة الثورة وتشكيلها من أعمال السيادة العليا، وأقرت الطبيعة الاستثنائية للأحكام الصادرة عنها. فقد ساهم هذا الاجتهاد القضائي في إقرار سلطة مجلس قيادة الثورة في إنشاء محكمة خارج القواعد المعتادة للتقاضي.

وتكرر استخدام المحاكم الخاصة في نوفمبر 1954، بعد حادث المنشية ومحاولة اغتيال عبد الناصر. ففي الأول من نوفمبر، أصدر مجلس قيادة الثورة أمرا بتشكيل محكمة مخصوصة، أطلق عليها لاحقا اسم محكمة الشعب، برئاسة جمال سالم وعضوية أنور السادات وحسين الشافعي.

منح أمر التشكيل المحكمة سلطة واسعة في تحديد إجراءات المحاكمة، ومنع الاعتراض على تشكيلها أو أحد أعضائها، وجعل أحكامها نهائية وغير قابلة للطعن، مع إخضاعها لتصديق مجلس قيادة الثورة. وقد استخدمت المحكمة في محاكمة قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين عقب الصدام مع السلطة.

واستمر تطوير منظومة القضاء الاستثنائي خلال السنوات التالية، مع صدور القانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ، والقانون رقم 25 لسنة 1966 بإصدار قانون الأحكام العسكرية، ثم القرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 بإنشاء محكمة الثورة.

وقد وصف طارق البشري السياسة التي اتبعتها السلطة تجاه القضاء بمفهوم «الإحاطة والاقتطاع». فقد احتفظ القضاء العادي باختصاصاته الأساسية، بينما اقتطعت منه القضايا التي أرادت السلطة إخضاعها لمحاكم وإجراءات خاصة.

ارتبط هذا الترتيب بطبيعة النظام الذي تشكل بعد يوليو. فقد احتاجت السلطة إلى المؤسسات القضائية لإدارة المجتمع والاقتصاد، خصوصا مع اتساع تدخلها في علاقات الملكية والإنتاج والعمل. لكنها احتفظت بالقدرة على تجاوز القضاء العادي في القضايا التي تمس استمرار الحكم أو ترتبط باحتجاجات سياسية واجتماعية مستقلة.

من مجلس الدولة إلى معركة استقلال القضاء

لم تؤد الإجراءات التي اتخذتها السلطة خلال السنوات الأولى بعد يوليو إلى إنهاء استقلال القضاء بالكامل. فقد احتفظت المؤسسات القضائية بتقاليد مهنية وضمانات وظيفية، واستمرت داخلها اتجاهات مختلفة بشأن حدود التعاون مع السلطة والدفاع عن استقلال القضاء.

ومع اتساع تدخل السلطة في المؤسسات المهنية خلال الستينيات، ومحاولات إخضاعها للتنظيم السياسي الواحد، انتقلت المواجهة إلى مواقع أخرى داخل المؤسسة القضائية، خصوصا النيابة العامة ونادي القضاة. ووصل الصراع إلى ذروته في أغسطس 1969، مع صدور القوانين التي أعادت تشكيل الهيئات القضائية واستبعدت عددا كبيرا من أعضائها، في الواقعة التي عرفت باسم «مذبحة القضاء».

المصادر والمراجع

الكتب والدراسات
1- فاروق عبد البر، دور مجلس الدولة المصري في حماية الحقوق والحريات العامة، الجزء الأول.
2- عمرو الشلقاني، «الشعب يريد إعدام المحامين: السنهوري بين القانون والثورة 1952–1954»، مجلة تبيّن، شتاء.
3- عبد العظيم رمضان، عبد الناصر وأزمة مارس، روز اليوسف، القاهرة.
4- طارق البشري، القضاء بين الاستقلال والاحتواء.
5- طارق البشري، الديمقراطية ونظام 23 يوليو، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت.
6- عمرو الشلقاني، «هل كان القانون في إجازة؟»، الشروق، 24 أكتوبر.

هوامش التشريعات والقرارات والأحكام القضائية
1- المرسوم بقانون رقم 344 لسنة 1952 بشأن جريمة الغدر، المعدل بالقانون رقم 173 لسنة، والمتعلق بمساءلة بعض المسؤولين عن أعمال ارتكبت خلال العهد الملكي.
2- مجلس قيادة الثورة، الأمر الصادر في 13 سبتمبر 1953 بإنشاء محكمة الثورة، والأمر الصادر في 16 سبتمبر 1953 بتشكيلها وتحديد اختصاصاتها وإجراءاتها. وردت الإشارة إلى الأمرين وطبيعتهما القانونية في حكم محكمة النقض، الطعن رقم 3 لسنة 25 قضائية، جلسة 23 يونيو.
3- مجلس قيادة الثورة، الأمر الصادر في 1 نوفمبر 1954 بشأن تشكيل محكمة مخصوصة وإجراءاتها، التي عُرفت لاحقًا باسم «محكمة الشعب».
4- القانون رقم 165 لسنة 1955 بشأن تنظيم مجلس الدولة، وبخاصة المادة 77 المتعلقة بإعادة تعيين أعضاء المجلس وموظفيه الفنيين بقرار من مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ العمل بالقانون، وما يترتب على عدم إعادة تعيين بعضهم.
5- محكمة النقض، الطعن رقم 3 لسنة 25 قضائية، جلسة 23 يونيو، مجموعة أحكام النقض، السنة السادسة، الجزء الثالث، القاعدة رقم 177، ص 1307. تناول الحكم الأوامر الصادرة بإنشاء محكمة الثورة وتشكيلها، وطبيعتها القانونية واختصاصاتها.
6- القانون رقم 533 لسنة 1954 بشأن الأحكام العرفية.
7- القانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ، الصادر في 27 سبتمبر 1958، والمنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 28 سبتمبر 1958، والذي حل محل القانون رقم 533 لسنة 1954 بشأن الأحكام العرفية.
8- القانون رقم 25 لسنة 1966 بإصدار قانون الأحكام العسكرية.
9- القرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 بشأن إنشاء محكمة الثورة، الصادر في 21 نوفمبر 1967، والمنشور بتاريخ 21 نوفمبر.