المقال الأول: القضاء الذي لم يدخل التنظيم عبد الناصر والطريق إلى مذبحة 1969

Facebook
Twitter

منذ يوليو 1952، حاول تقريبا كل نظام حكم في مصر، بدرجة أو بأخرى، احتواء القضاء والتدخل في شؤونه. اختلفت الأدوات من مرحلة إلى أخرى، واختلفت معها طبيعة الصدام بين السلطة والمؤسسة القضائية. ورغم ذلك، ظل داخل القضاء طوال عقود قدر من التقاليد والاستقلال المؤسسي يسمح له، في لحظات مختلفة، بالاعتراض والدخول في مواجهة صريحة مع السلطة.

النظام الحالي، في تقديري، نجح فيما فشل فيه عبد الناصر والسادات ومبارك. وهذه هي الفرضية التي تحاول هذه السلسلة اختبارها من خلال تتبع العلاقة بين السلطة والقضاء منذ 1952 وحتى اليوم: كيف تشكلت حدود الاستقلال القضائي، وما الذي سمح للمؤسسة القضائية بالحفاظ على مساحة من الاستقلال رغم محاولات التدخل والاحتواء، وما الذي تغير لاحقا وأدى إلى تآكل هذه المساحة.

يبدأ المقال الأول مع عبد الناصر، ويتتبع تطور العلاقة بين السلطة والقضاء منذ السنوات الأولى بعد يوليو 1952 وحتى مذبحة القضاء سنة 1969.

 

المقال الأول

القضاء الذي لم يدخل التنظيم

عبد الناصر والطريق إلى مذبحة 1969

في 11 أبريل 1970، بعد أقل من ثمانية أشهر على مذبحة القضاء، تحدث جمال عبد الناصر عن الطريقة التي تعامل بها نظام يوليو مع القضاء منذ وصوله إلى السلطة. كان ذلك خلال الاجتماع الأول للجنة العامة للمواطنين من أجل المعركة، عندما تحدث المستشار محمد السيد الرفاعي عن رغبة رجال القضاء والنيابة في الانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي. استعاد عبد الناصر العلاقة منذ 1952، وشرح القاعدة التي قال إن النظام حاول الالتزام بها.

وينقل عبد الله إمام في كتابه مذبحة القضاء عن محضر الاجتماع قول عبد الناصر:

«حقيقة إحنا لم نتدخل في القضاء منذ سنة 1952 حتى الآن، وكانت عندنا قاعدة إن إحنا إذا تدخلنا في القضاء وحاولنا نقول للقضاء احكم بكذا وده أرقيه وده أعمله أو أقرب ده أو أبعد ده أبقى فعلا هدمت عمل أساسي للبلد». [1]

ثم شرح ما كان يحدث إذا اعتبرت السلطة أن القضية سياسية:

«واستقر الرأي على أنه إذا كان فيه قضية سياسية بنعمل إحنا قضية سياسية ونعمل حتى إحنا أنفسنا قضاة وبنحكم زي ما إحنا عاوزين ونبعد القضاة عنهم ولا نتدخل في القضاء». [2]

وضرب مثلا بمحكمة الشعب التي تولى أعضاء مجلس قيادة الثورة المحاكمة أمامها. حديث عبد الناصر جاء بعد أشهر قليلة من أكبر تدخل في تكوين الهيئات القضائية منذ يوليو 1952، ولذلك يصعب التعامل معه باعتباره وصفا محايدا لتاريخ العلاقة. أهميته أنه يكشف الطريقة التي فهم بها عبد الناصر السياسة التي اتبعها النظام في مرحلة مبكرة، ويقدم مدخلا لفهم الطريقة التي أدارت بها السلطة علاقتها بالقضاء خلال القسم الأكبر من عهده.

يستخدم طارق البشري تعبير «الإحاطة والاقتطاع» في وصف هذه السياسة. ويقول:

«أما القضاء وأجهزته وسلطته، فقد سلكت معه الثورة ما يمكن أن نسميه بأسلوب الإحاطة والاقتطاع دون أسلوب السيطرة المباشرة والإلحاق الصريح». [3]

احتفظ القضاء العادي بقدر من استقلاله المهني، بينما قيدت السلطة مجال عمله في المسائل التي اعتبرتها ذات أهمية سياسية. جرى ذلك من خلال منع التقاضي في بعض المجالات، وإنشاء محاكم خاصة واستثنائية تتولى القضايا التي تريد السلطة إبعادها عن المحاكم العادية.

كان هذا الترتيب مختلفا عن السيطرة المباشرة على عمل القاضي داخل محكمته. بقيت داخل القضاء تقاليد مهنية وقواعد تحكم العمل والتعيين والترقية، وفي الوقت نفسه امتلكت السلطة وسائل تمنع وصول جانب من الصراع السياسي إلى ساحاته أصلا. ظهرت محكمة الثورة، ثم محكمة الشعب، وغيرها من صور القضاء الاستثنائي. القضايا التي أرادت السلطة الاحتفاظ بقدر أكبر من السيطرة عليها لم تكن مضطرة دائما إلى المرور بالقضاء العادي. وهو تقريبا ما كان عبد الناصر يقوله بطريقته المباشرة بعد ذلك بسنوات: إذا كانت هناك قضية سياسية، تنشئ السلطة لها محكمتها وتبعد القضاة عنها.

ويقدم تامر مصطفى زاوية أخرى لفهم الترتيب نفسه، من خلال ما يصفه بتجزئة النظام القضائي. هناك قضاء عادي يعمل وفق قواعد مستقرة نسبيا، وإلى جواره قضاء استثنائي تذهب إليه القضايا الأكثر حساسية بالنسبة إلى السلطة. [4]

هذه الصيغة لم تجعل القضاء خارج النظام السياسي أو بمنأى عن تدخل السلطة. شهدت السنوات الأولى بعد يوليو مواجهات مهمة، كان أبرزها الصدام مع مجلس الدولة في 1954 و1955 وما ترتب عليه من إعادة تشكيله. كما استخدمت سلطة التشريع لتضييق مجال التقاضي في عدد من المسائل. ومع ذلك بقي داخل القضاء العادي قدر من الاستقلال المهني، بينما جرى التعامل مع جانب كبير من الصراع السياسي عبر مسارات أخرى.

استمر هذا الوضع لسنوات. وبعد هزيمة يونيو 1967 بدأ القضاء يتحرك خارج بعض الحدود التي استقرت خلال المرحلة السابقة، وبدأ الصراع يأخذ شكلا مختلفا. لم يعد الخلاف مقتصرا على تحديد القضايا التي تنظرها المحاكم العادية وتلك التي تحال إلى المحاكم الاستثنائية، فقد أصبح موقع القضاء نفسه داخل النظام السياسي جزءا من الخلاف.

كان النظام قد قطع في ذلك الوقت شوطا طويلا في تنظيم المجتمع ومؤسساته. وبعد تجارب هيئة التحرير والاتحاد القومي، أصبح الاتحاد الاشتراكي التنظيم السياسي الوحيد، وامتدت تنظيماته إلى قطاعات مهنية ووظيفية مختلفة. بقي القضاة خارج التنظيم. كان من الممكن إخراج قضية سياسية من القضاء وإرسالها إلى محكمة استثنائية، لكن بقاء مؤسسة كاملة بقواعدها وتنظيمها المهني خارج البناء السياسي الذي كانت السلطة تسعى إلى توسيعه طرح مشكلة مختلفة.

نادي القضاة يدخل الصورة

كانت بعض ملامح المشكلة قد ظهرت قبل ذلك بسنوات. ففي 1963 دخل مجلس إدارة نادي القضاة في مواجهة مع وزير العدل بسبب مشروع لتعديل قانون السلطة القضائية، ورفع القضاة اعتراضاتهم إلى رئيس الجمهورية. ويسجل ممتاز نصار تفاصيل الأزمة باعتبارها واحدة من المحطات المبكرة في الصراع حول استقلال القضاء وعلاقة وزارة العدل به. [5]

كان نادي القضاة قد بدأ يظهر هنا كطرف في العلاقة. لم يعد الأمر مقتصرا على قاض يتمسك باستقلاله في قضية ينظرها أو محكمة تصدر حكما لا ترضى عنه السلطة. هناك مؤسسة منتخبة تجمع القضاة وتستطيع صياغة موقف مشترك والدخول في مواجهة مع وزارة العدل حول شؤون القضاء نفسه. وخلال السنوات التالية ظهرت المشكلة من مكان آخر داخل المؤسسة القضائية.

تولى المستشار محمد عبد السلام منصب النائب العام في أغسطس 1963. وتقدم مذكراته صورة مفصلة لاحتكاكات متكررة بين النيابة وأجهزة الأمن وشخصيات نافذة. وبعد هزيمة يونيو 1967 أصبحت هذه الاحتكاكات أكثر حدة مع التحقيق في شكاوى التعذيب والاحتجاز وعدم تنفيذ قرارات الإفراج.

وتكشف شهادته عن جانب آخر من الصدام بين النيابة والسلطة خلال احتجاجات فبراير ومارس 1968. فقد أصدر أوامر بالإفراج عن المقبوض عليهم بعد أن تبين للنيابة أن كثيرا منهم لم تتوافر أدلة على مشاركتهم في المظاهرات. ويشرح أسباب القرار بقوله:

«فقد تبين من التحقيق أن المقبوض عليهم كانوا يجمعون من الطرقات والمتاجر بل ومن المنازل لمجرد الإيهام بأن عددًا من المتظاهرين قد أمكن ضبطهم». [6]

ويذكر أن وزير الداخلية شعراوي جمعة اعترض على قرارات الإفراج، وأن بعض الطلبة ظلوا محتجزين بموجب أوامر اعتقال رغم إفراج النيابة عنهم.

في مارس وأبريل 1968 طلبت النيابة إحضار مصطفى أمين من السجن للتحقيق في شكواه من التعذيب. تكرر الطلب ثلاث مرات ولم تنفذه الجهات الأمنية. بعد ذلك استدعى وزير العدل محمد أبو نصير النائب العام وأبلغه، بحسب ما ورد في مذكراته، أن «الحكومة لا ترتاح إلى العمل معي». [7] وفي 4 يوليو صدر قرار بنقله من منصب النائب العام إلى رئاسة محكمة استئناف القاهرة.

1968: الأزمة تخرج إلى العلن

فتحت هزيمة يونيو الباب لمراجعة أوسع لطريقة إدارة البلد والمؤسسات التي قادته إلى الهزيمة. وفي فبراير 1968 بدأت احتجاجات عمالية وطلابية بعد الأحكام الصادرة بحق قادة سلاح الطيران، ثم اتسعت المطالب إلى الحريات والمحاسبة وطريقة إدارة النظام. وفي هذه الأجواء بدأت العلاقة بين القضاء والسلطة تدخل مرحلة جديدة.

في 28 مارس 1968 أصدر القضاة بيانا تناول موقع القضاء داخل النظام السياسي، قبل أن يعلن عبد الناصر بعد يومين بيان 30 مارس بما تضمنه من حديث عن الحريات وسيادة القانون وإعادة بناء الاتحاد الاشتراكي بالانتخاب.

لم يكن بيان القضاة وثيقة معارضة لنظام يوليو. تضمن مواقف تتعلق بمواجهة العدوان الإسرائيلي وإزالة آثاره وتعبئة المجتمع للمعركة، وفي الوقت نفسه تحدث عن الشرعية واستقلال القضاء. أكد أن النيابة العامة جزء من السلطة القضائية، ورفض فصلها عنها، وطالب بإبعاد القضاة عن التنظيمات السياسية للاتحاد الاشتراكي، وتمسك بتخصص القاضي ورفض ما كان يطرح تحت اسم «القضاء الشعبي».

الجمع بين هذه المواقف مهم لفهم ما سيحدث بعد ذلك. القضاة الذين دخلوا في المواجهة مع السلطة لم يكونوا كتلة سياسية تعمل لإسقاط النظام أو تقف خارجه. كان بينهم من يؤيد مواقفه القومية والسياسية الأساسية. وفي الوقت نفسه كان هناك خلاف يتسع حول الحدود التي تفصل المؤسسة القضائية عن التنظيم السياسي وأجهزة السلطة.

وكان الاتحاد الاشتراكي في قلب هذا الخلاف. ففي بلد أصبح فيه التنظيم السياسي الواحد حاضرا في قطاعات واسعة من الحياة العامة، ظل القضاء خارجه. أصبح استقلال القضاء مرتبطا بمسائل عملية ومباشرة: هل يدخل القاضي التنظيم السياسي؟ هل تظل النيابة جزءا من القضاء؟ من يملك التأثير في التعيينات؟ وهل يستطيع نادي القضاة أن ينتخب ممثليه ويتحدث باسم أعضائه؟

كتب علي صبري في جريدة الجمهورية داعيا القضاة إلى المشاركة في تنظيمات الاتحاد الاشتراكي. وتذكر مذكرات النائب العام واقعة أخرى جرت في الفترة نفسها. طلب تعيين ثمانية من شباب الاتحاد الاشتراكي في وظائف معاوني النيابة بالمخالفة لقواعد الأسبقية. اعترض على التعيين، ثم أضيفت وظائف جديدة وصدر قرار جمهوري بتعيينهم. [8] وبعد شهور انتقل الخلاف إلى نادي القضاة نفسه.

انتخابات مارس 1969

أجريت انتخابات النادي في 21 مارس 1969. كان هناك مرشحون حظوا بمساندة وزير العدل، وتصفهم المذكرات بـ«مرشحي الحكومة». وفي مواجهتهم كانت القائمة المرتبطة ببيان مارس 1968.

ولم تجر الانتخابات دون محاولات للتأثير فيها. يروي ممتاز نصار أن وزير العدل طلب تدخل مجلس القضاء لتأجيلها، لكن رئيس المجلس، المستشار عادل يونس، أبلغه بأن المجلس لا يرى لنفسه اختصاصا بالتدخل في الأمر. [9]

جاءت النتيجة واضحة: فازت قائمة البيان بجميع المقاعد الخمسة عشر لمجلس الإدارة. وينقل محمد الجوادي عن ممتاز نصار أنه توجه إلى القضاة بعد إعلان النتيجة قائلا:

«أهنئكم بنجاحكم الساحق وأهنئكم بهذه النتيجة التي دلت على أن في مصر قضاة». [10]

كانت للنتيجة دلالة تتجاوز تغيير أسماء أعضاء المجلس. قبل عام كان هناك بيان يتحدث عن استقلال القضاء ويرفض دخول القضاة في التنظيم السياسي والقضاء الشعبي. الآن حصلت القائمة المرتبطة بهذا البيان على جميع مقاعد المؤسسة المنتخبة التي تمثل القضاة. لم يبق الخلاف محصورا في نقاش قانوني حول علاقة القضاء بالاتحاد الاشتراكي أو موقع النيابة، فقد أصبح له مجلس منتخب داخل نادي القضاة.

وبعد الانتخابات حاول ممتاز نصار وعدد من القضاة معالجة الخلاف مع وزير العدل وإعادة العلاقة إلى وضعها الطبيعي. ويروي نصار أنه وافق على وساطة لترتيب لقاء مع المسؤولين، وأن بعض رجال القضاء كانوا يتوقعون إصلاحات قضائية مع تغيير وزير العدل في 31 أغسطس 1969. لكن مساء اليوم نفسه شهد صدور أربعة قوانين أعادت تنظيم جوانب أساسية من المؤسسة القضائية. [11]

بعد عام تقريبا قدم عبد الناصر روايته لما حدث. ففي حديث أبريل 1970 قال إنه كان يتابع ما يجري داخل القضاء، وتحدث عن دخول بعض القضاة، حسب وصفه، إلى المجال السياسي. واعتبر الخلاف حول دخول الاتحاد الاشتراكي «معركة وهمية»، ورأى أن وراءها أهدافا تتجاوز موضوعها الظاهر. وقال أيضا:

«وأنا الحقيقة رأيي أن القضاة يجب أن يشتركوا في العمل القومي». [12]

لكن هذه الرواية جاءت بعد أن كانت السلطة قد اتخذت بالفعل أكبر خطواتها في المواجهة. فقد فصل نحو خمسة أشهر بين انتخابات النادي و31 أغسطس 1969.

31 أغسطس 1969

في الأيام الأخيرة من أغسطس صدرت مجموعة من القوانين غيرت جوانب أساسية من البناء القضائي. أنشئت المحكمة العليا، وأنشئ المجلس الأعلى للهيئات القضائية، وصدر قانون لإعادة تشكيل الهيئات القضائية، وقانون آخر أعاد تنظيم نادي القضاة.

كان قانون إعادة تشكيل الهيئات القضائية هو الأشد أثرا. وضع القانون الهيئات القضائية كلها في حالة إعادة تشكيل خلال خمسة عشر يوما، ومنح رئيس الجمهورية خلال هذه الفترة سلطة إصدار القرارات اللازمة لإعادة تعيين أعضائها، وتحديد وظائفهم وأقدميتهم. وأتاح نقل من لم تشملهم قرارات إعادة التعيين إلى وظائف أخرى بالحكومة أو القطاع العام. كما انتقلت إلى رئيس الجمهورية خلال هذه الفترة اختصاصات تتعلق بالتعيين والترقية والنقل. [13]

المسألة تجاوزت إصدار قرارات بفصل مجموعة محددة من القضاة. أعيد تشكيل الهيئات نفسها، ثم صدرت قرارات جديدة تحدد من يستمر داخلها، وفي أي وظيفة، وبأي أقدمية. وتبع القانون عدد من القرارات الجمهورية لإعادة تعيين أعضاء القضاء والنيابة ومجلس الدولة وبقية الهيئات.

وبحسب شهادة ممتاز نصار، انتهت العملية باستبعاد 189 من رجال القضاء، بينهم أعضاء مجلس إدارة نادي القضاة الذي انتخب قبل خمسة أشهر. [14] ولم يبق النادي نفسه على حاله. فالقانون الجديد جعل مجلس إدارته يتشكل بحكم المناصب القضائية. انتهى المجلس المنتخب، وحل محله تشكيل يرتبط بالوظائف التي يشغلها أعضاؤه.

وفي الفترة نفسها أنشئت المحكمة العليا، وأصبحت الرقابة على دستورية القوانين اختصاصا مركزيا لها. وكان ذلك تغييرا آخر في شكل النظام القضائي، ستمتد آثاره إلى السنوات التالية، قبل إنشاء المحكمة الدستورية العليا في عهد السادات.

من السهل جمع القوانين الصادرة في أغسطس تحت تفسير واحد، لكن الأدلة المتاحة لا تسمح بالجزم بأن كل هذه التشريعات صدرت لتحقيق غرض واحد. لكل قانون تاريخه ووظيفته. ما حدث على الأرض أوضح من البحث عن نية واحدة وراءها جميعا. فخلال فترة قصيرة أعيد تشكيل الهيئات القضائية، واستبعد عدد كبير من رجالها، وانتهى مجلس نادي القضاة المنتخب، وتغيرت طريقة إدارة النادي، وأنشئت المحكمة العليا والمجلس الأعلى للهيئات القضائية.

وهنا يظهر الفارق بين أغسطس 1969 والطريقة التي وصف بها عبد الناصر علاقته بالقضاء في السنوات الأولى بعد يوليو. كان البشري قد وصف تلك الطريقة بالإحاطة والاقتطاع. تترك المؤسسة قائمة بقدر من استقلالها، وتضيق المساحة التي تستطيع التحرك فيها، وتستبعد منها القضايا التي ترى السلطة أنها تمس سياستها، وتنشئ لهذه القضايا محاكم أخرى.

في نهاية الستينيات أصبحت المشكلة داخل المؤسسة نفسها. النيابة دخلت في صدام مع أجهزة الأمن، ونادي القضاة أصدر موقفا جماعيا، والقضاة رفضوا الدخول في الاتحاد الاشتراكي. ظهرت محاولات للتأثير في التعيينات، ثم فازت القائمة المرتبطة ببيان مارس بكل مقاعد النادي. وفي أغسطس 1969 انتقلت المواجهة إلى تكوين الهيئات القضائية نفسها.

ما بعد المذبحة

لم تنته قصة مذبحة القضاء في 31 أغسطس 1969. القرارات غيرت تكوين الهيئات وأخرجت عددا كبيرا من رجال القضاء، لكنها تركت وراءها أزمة استمرت بعد وفاة عبد الناصر في سبتمبر 1970.

في 1971 صدر القانون رقم 85 الذي أجاز إعادة تعيين بعض أعضاء الهيئات القضائية الذين خرجوا نتيجة إعادة التشكيل. كانت العودة جزئية ومشروطة بقرار جديد. والصيغة نفسها كانت موضع مشكلة. من خرجوا في 1969 لم يعودوا تلقائيا إلى مواقعهم، وأصبحت عودة بعضهم مرتبطة بقرار جديد يعيد تعيينهم. وتظهر المذكرات التي تناولت هذه الفترة اعتراضا واضحا على هذه الطريقة، باعتبار أن معالجة ما جرى تقتضي إزالة آثاره، بينما أبقى القانون سلطة الاختيار قائمة.

ويعبر ممتاز نصار عن هذا الاعتراض بقوله:

«إن العودة الجزئية على هذه الصورة لم تحقق الإصلاح المنشود لأنه لا يكفي أن يبقى واحد معزول بغير الطريق التأديبي حتى يظل العدوان على القضاء باقيًا دون إزالة». [15]

وفي ديسمبر 1972 دخلت محكمة النقض على خط الأزمة في إحدى دعاوى رجال القضاء. تعرضت المحكمة للأساس القانوني الذي استندت إليه إجراءات 1969، وبحثت حدود التفويض التشريعي الذي استخدم في إصدار قانون إعادة تشكيل الهيئات القضائية. وانتهت إلى أن المساس بضمانات القضاة بهذه الطريقة تجاوز حدود التفويض، ووصفت الإجراء المعروض عليها بأنه مشوب «بعيب جسيم يجعله عديم الأثر». [16]

كان الصراع الذي بدأ حول حدود المؤسسة القضائية يعود هذه المرة إلى داخل القضاء في صورة حكم يفحص الأساس القانوني لبعض ما جرى في أغسطس 1969. وفي 1973 صدر القانون رقم 43 بشأن إعادة بعض أعضاء الهيئات القضائية إلى وظائفهم الأصلية، فاتسع نطاق العودة عن الصيغة التي أخذ بها قانون 1971.

لم تمح هذه الإجراءات آثار أغسطس 1969، ولم تعد العلاقة بين السلطة والقضاء إلى الصورة التي كانت عليها قبلها. لكنها تكشف أن إعادة تشكيل الهيئات لم تغلق الأزمة التي بدأت في نهاية الستينيات. بعد وفاة عبد الناصر أصبحت آثار المذبحة نفسها موضوعا للتشريع ولأحكام القضاء، بالتوازي مع تغير أوسع في علاقة السلطة بالمؤسسات القضائية في عهد السادات.

ومن هنا يمكن العودة إلى كلام عبد الناصر الذي بدأنا به. ففي أبريل 1970 قدم روايته عن القاعدة التي حكمت علاقة يوليو بالقضاء في سنواتها الأولى. إذا كانت هناك قضية سياسية تريد السلطة السيطرة عليها، تنشئ لها محكمتها وتبعد القضاء العادي عنها.

بعد سبعة عشر عاما، لم تعد السياسة خارج أبواب القضاء. كانت في الخلاف حول النيابة، وفي نادي القضاة، وفي عضوية الاتحاد الاشتراكي، وفي قواعد التعيين، وفي انتخابات فازت فيها قائمة البيان بكل المقاعد. وفي 31 أغسطس 1969 أعادت السلطة تشكيل القضاء نفسه.

المصادر والهوامش

[1] عبد الله إمام، مذبحة القضاء، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1976، ص 74. نقلًا عن محضر الاجتماع الأول للجنة العامة للمواطنين من أجل المعركة، 11 أبريل 1970.
[2] المرجع السابق، ص 74.
[3] طارق البشري، القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الثانية، 2006، ص 14. ولشرح سياسة «الإحاطة والاقتطاع»، انظر ص 14–16.
[4] تامر مصطفى، الصراع على السلطة الدستورية: دور المحكمة الدستورية العليا في السياسة المصرية، ص 59–61، قسم «بين الأنظمة القضائية المجزأة والموحدة».
[5] ممتاز نصار، معركة العدالة في مصر، دار الشروق، القاهرة، نوفمبر 1974. وانظر محمد الجوادي، مذكرات رجال القانون والقضاء: محاكمة ثورة يوليو، دار الخيال، 1999، فصل «معركة العدالة في مصر للمستشار ممتاز نصار»، ص 68 وما بعدها. لم تتيسر مراجعة صفحات كتاب نصار الأصلي، ولذلك تستند الإحالة التفصيلية إلى عرض الجوادي لشهادته.
[6] محمد عبد السلام، سنوات عصيبة: ذكريات نائب عام، ص 71 من النسخة الإلكترونية المستخدمة في المراجعة، في حديثه عن التحقيق في وقائع مظاهرات فبراير ومارس 1968.
[7] المرجع السابق، القسم المتعلق بنقله من منصب النائب العام سنة 1968. لم تكتمل مطابقة أرقام الصفحات مع ترقيم النسخة المستخدمة.
[8] المرجع السابق، القسم المتعلق بمحاولات التدخل في تعيين معاوني النيابة.
[9] محمد الجوادي، مذكرات رجال القانون والقضاء، ص 79–81، نقلًا عن ممتاز نصار، في عرض مقدمات انتخابات نادي القضاة ومحاولة تأجيلها.
[10] المرجع السابق، ص 81–82. وردت نتيجة الانتخابات في ص 81، وتعليق ممتاز نصار عليها في ص 82.
[11] المرجع السابق، ص 83–84، في عرض محاولات معالجة الخلاف بين نادي القضاة ووزارة العدل قبل صدور قوانين أغسطس 1969.
[12] عبد الله إمام، مذبحة القضاء، ص 75، في عرض حديث عبد الناصر يوم 11 أبريل 1970 عن مشاركة القضاة في الاتحاد الاشتراكي.
[13] القانون رقم 83 لسنة 1969 بشأن إعادة تشكيل الهيئات القضائية، الجريدة الرسمية، العدد 35 مكرر، 31 أغسطس 1969، ص 681–682. وانظر كذلك القوانين أرقام 81 و82 و84 لسنة 1969 الصادرة في التاريخ نفسه.
[14] محمد الجوادي، مذكرات رجال القانون والقضاء، ص 85–86، نقلًا عن ممتاز نصار. الرقم 189 هو العدد الذي تذكره شهادة نصار، مع وجود اختلافات في بعض المصادر الأخرى بشأن عدد المستبعدين.
[15] محمد الجوادي، مذكرات رجال القانون والقضاء، ص 87، نقلًا عن ممتاز نصار، في اعتراضه على العودة الجزئية للقضاة المستبعدين. وانظر القانون رقم 85 لسنة 1971 بجواز إعادة تعيين بعض أعضاء الهيئات القضائية.
[16] محكمة النقض، طلب رجال القضاء رقم 26 لسنة 41 قضائية، جلسة 21 ديسمبر 1972، مجموعة أحكام النقض، المكتب الفني، السنة 23، الجزء الثالث، المبدأ 187، ص 1191. وانظر القانون رقم 43 لسنة 1973 بشأن إعادة بعض أعضاء الهيئات القضائية إلى وظائفهم الأصلية.

التشريعات ذات صلة: 
- القانون رقم 81 لسنة 1969 بشأن المحكمة العليا.
- القانون رقم 82 لسنة 1969 بشأن المجلس الأعلى للهيئات القضائية.
- القانون رقم 83 لسنة 1969 بشأن إعادة تشكيل الهيئات القضائية.
- القانون رقم 84 لسنة 1969 بشأن نادي القضاة.