ماذا يبقى من يناير؟

Facebook
Twitter

حين نستعيد 25 يناير اليوم، تبدأ الذاكرة غالبًا من الميدان: الحشود والهتافات والمواجهات وصور الأيام الثمانية عشر. لكن هذه الصورة، على أهميتها، تحجب جزءًا أساسيًا من القصة. يناير لم تبدأ في الميدان. سبقتها سنوات من الغضب الاجتماعي، والإضرابات والاحتجاجات المتفرقة، والتدهور المستمر في شروط حياة قطاعات واسعة من المصريين.

قبل 2011 بسنوات كانت المصانع قد بدأت تتكلم. إضرابات المحلة الكبرى، وتحركات عمال الضرائب العقارية، واحتجاجات موظفي الدولة، وغيرها من التحركات، كانت تعبر عن أزمة تجاوزت السياسة بمعناها الضيق. كان هناك شيء يتغير في العلاقة بين المجتمع والسلطة، وفي المقابل كانت التحولات الاقتصادية التي بدأت منذ عقود تتسارع بصورة أكبر خلال السنوات الأخيرة من حكم مبارك.

تغيرت شروط العمل، وأصبحت الوظائف أكثر هشاشة، وتراجعت قدرة قطاعات من الطبقة الوسطى على الحفاظ على مستوى معيشتها أو التخطيط للمستقبل. واتسعت الفجوة بين من استفادوا من التحولات الاقتصادية ومن تحملوا تكلفتها. حدث ذلك بالتوازي مع تراجع جوانب من الدور الاجتماعي للسلطة، واستمرار إغلاق المجال السياسي، وضعف التمثيل، وحضور الأجهزة الأمنية في تفاصيل الحياة العامة.

لهذا جاءت يناير عند نقطة التقاء بين غضب اجتماعي متراكم وأزمة سياسية ممتدة. يصعب اختزالها في «ثورة شباب» أو حركة ديمقراطية بالمعنى الضيق. شارك فيها عمال وموظفون وطلاب وأصحاب مهن وقطاعات اجتماعية مختلفة. اجتمعت داخلها مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية من دون أن يعني ذلك أن المشاركين كانوا يحملون مشروعًا سياسيًا أو اجتماعيًا واحدًا.

كان الخروج إلى الشارع في حد ذاته هو القاسم المشترك. أما ما ينبغي أن يأتي بعده، وطبيعة السلطة التي ينبغي بناؤها، والعلاقة بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فلم تكن هناك إجابات متفق عليها بشأنها.

من الغضب إلى الملف: كيف عُزلت يناير عن جذورها

بعد سقوط مبارك تغير مركز النقاش بسرعة. أصبحت الأسئلة الأكثر حضورًا تتعلق بإدارة المرحلة الانتقالية، والانتخابات، والدستور، ومن يتحدث باسم الثورة، والعلاقة بين المجلس العسكري والقوى السياسية، ثم الصراع بين هذه القوى نفسها.

كانت هذه أسئلة حقيقية فرضتها اللحظة، ولم يكن من الممكن تجاهلها. لكن نتيجتها كانت انتقال مركز الاهتمام تدريجيًا من الأسباب الاجتماعية التي سبقت يناير إلى الترتيبات السياسية التي أعقبتها.

بدأت صورة أخرى ليناير تتشكل: شباب في مواجهة نظام، ونشطاء يطالبون بالديمقراطية، وصراع حول الانتخابات والدستور وشكل الحكم. تراجعت في المقابل الاحتجاجات التي سبقت الثورة والأسئلة المرتبطة بالأجور والعمل والسكن والخدمات العامة وتوزيع الموارد.

لم تختف هذه المطالب من الواقع. الاحتجاجات العمالية والاجتماعية استمرت بعد سقوط مبارك، وأحيانًا بصورة أوسع. لكنها لم تحتل الموقع نفسه داخل السردية السياسية والإعلامية عن الثورة.

وساعد الإعلام في ذلك. التركيز على وجوه بعينها، والصراعات بين القوى السياسية، والمواجهات المتعاقبة، جعل يناير تبدو مع الوقت أقرب إلى قصة مجموعة محدودة من النشطاء والقوى السياسية. وكلما ترسخت هذه الصورة، أصبح من الأسهل فصل الحدث عن القاعدة الاجتماعية الأوسع التي شاركت فيه.

وكان لهذا التحول أثر سياسي مهم. حين تختصر الثورة في مجموعة من النشطاء يصبح من الأسهل مهاجمة هؤلاء الأشخاص وتحميلهم مسؤولية ما حدث بعد 2011. وحين تتحول الأزمة الاجتماعية إلى خلاف بين قوى سياسية يصبح المجتمع نفسه أقرب إلى موقع المتفرج.

لكن هذا المسار لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد عملية قامت بها السلطة والإعلام لعزل يناير. القوى التي شاركت في الثورة كان لها نصيبها أيضًا. فقد استحوذت معارك المرحلة الانتقالية على قدر كبير من اهتمامها، وتحولت السياسة بسرعة إلى انتخابات ودساتير وتحالفات ومفاوضات وصراعات حول مؤسسات الحكم.

في المقابل ظل سؤال بناء قوة اجتماعية تستطيع حماية التغيير أقل حضورًا. لم يكن سقوط رأس النظام كافيًا لتغيير المؤسسات والعلاقات التي أنتجت الأزمة، لكن جانبًا كبيرًا من الصراع السياسي تصرف في مراحل مختلفة كما لو أن السيطرة على مؤسسات الحكم أو إعادة تصميمها دستوريًا يمكن أن تحسم المعركة.

كانت هذه واحدة من المشكلات التي ستظهر آثارها بوضوح بعد ذلك: انفصال متزايد بين الصراع السياسي وبين المطالب الاجتماعية التي ساهمت في صناعة لحظة يناير نفسها.

لحظة بلا مسار: التنظيم الغائب وحدود الفعل العفوي

كشفت يناير قدرة كبيرة على الحشد، لكنها كشفت في الوقت نفسه ضعف البنى القادرة على تحويل هذا الحشد إلى عمل طويل المدى.

لم تكن هناك وسائط مستقرة تربط بين السياسة وأماكن العمل والأحياء والمصالح اليومية للناس، باستثناء تجارب محدودة سبقت الثورة أو نشأت خلالها. كانت هناك حركة عمالية مهمة، وحركات احتجاجية وسياسية، ونقابات مستقلة بدأت في الظهور، لكنها لم تكن قادرة وحدها على حمل حجم التحول الذي وقع في 2011.

ظل جزء كبير من الفعل السياسي مرتبطًا باللحظة. مظاهرة، حملة، بيان، اعتصام، معركة انتخابية. وكانت القدرة على الحشد أحيانًا هائلة، لكن تحويل هذه الطاقة إلى مؤسسات تستطيع الاستمرار والعمل بين موجات الاحتجاج كان أكثر صعوبة.

ظهرت أحزاب جديدة، وتوسعت محاولات بناء نقابات مستقلة وتنظيمات سياسية ومبادرات محلية. لا يصح تجاهل هذه التجارب أو التعامل معها كما لو أنها لم توجد. لكنها عملت تحت ضغط أحداث تتغير بسرعة، ومن دون خبرة مؤسسية كافية، وفي مواجهة مؤسسات قائمة تمتلك موارد وخبرات متراكمة منذ عقود.

وهذه المشكلة لم تبدأ في يناير. سنوات طويلة من التضييق على الأحزاب والنقابات والتنظيمات المستقلة وتجريف المجال العام أضعفت تقاليد العمل الجماعي. دخلت قطاعات واسعة إلى لحظة 2011 بخبرة في الاحتجاج والاعتراض، لكنها بخبرة أقل في بناء مؤسسات تستطيع إدارة الخلافات، وتوزيع المسؤوليات، والحفاظ على أعضائها، والاستمرار لسنوات.

كان هناك أيضًا إغراء اللحظة الكبرى. عندما تستطيع الحشود إسقاط رئيس حكم ثلاثين عامًا خلال ثمانية عشر يومًا، يصبح من السهل المبالغة في تقدير قدرة الحشد نفسه على حسم المعارك التالية. لكن ما جاء بعد 11 فبراير كان مختلفًا. لم تعد المسألة إسقاط رأس النظام، وإنما التعامل مع مؤسسات مستقرة وقوانين ومصالح وشبكات نفوذ وقوى سياسية واجتماعية متعددة.

ومع تغير ميزان القوى ظهر الفارق بين الاحتجاج والتنظيم. الاحتجاج يستطيع إرباك السلطة وفرض تنازلات عليها، لكنه يصعب أن يستمر بالمستوى نفسه طوال الوقت. أما المؤسسات القائمة فتستطيع الانتظار، وإعادة ترتيب مواقعها، والاستفادة من تراجع الحشد والانقسامات بين خصومها.

لهذا لا يكفي تفسير ما حدث بعد يناير بالقمع وحده، رغم الدور المركزي الذي لعبه. هناك أيضًا سؤال يتعلق بقدرة القوى التي أرادت التغيير على امتصاص الخسائر، وإعادة بناء نفسها بعد كل تراجع، وربط مطالبها بقطاعات اجتماعية تستطيع الاستمرار خارج لحظات الحشد الكبرى.

الشجاعة الفردية لا تستطيع وحدها القيام بهذه المهمة. ومع ارتفاع تكلفة المشاركة السياسية، أصبح غياب التنظيم أكثر خطورة. من يتحرك منفردًا يتحمل تكلفة أكبر، بينما تستطيع الجماعة المنظمة توزيع المخاطر وتوفير قدر من الحماية والاستمرار.

المعارضة والنخب: إدارة اللحظة بدل بناء البديل

انعكست المشكلة نفسها على أداء جزء واسع من المعارضة بعد يناير. فرضت المرحلة الانتقالية سلسلة متلاحقة من المعارك: الاستفتاء، والانتخابات البرلمانية، وانتخابات الرئاسة، والدستور، والعلاقة بالمجلس العسكري، ثم الصراع مع جماعة الإخوان المسلمين.

كان من الصعب تجاهل أي من هذه الملفات. لكنها دفعت القوى السياسية إلى العمل وفق إيقاع سريع لا يترك مساحة كافية لبناء مؤسساتها أو توسيع قواعدها الاجتماعية.

تركز جانب كبير من النقاش حول الشرعية السياسية: من يملكها؟ البرلمان أم الميدان؟ الرئيس المنتخب أم القوى التي خرجت ضده؟ وما موقع المؤسسة العسكرية؟ وفي وسط هذه الصراعات تراجعت أسئلة أخرى تتعلق بالسلطة الفعلية داخل المجتمع، وبكيفية بناء تنظيمات تستطيع تمثيل مصالح اجتماعية واضحة.

بقيت العلاقة بين المعارضة وأماكن العمل والأحياء والخدمات العامة أضعف من حجم المهمة. لم تكن المشكلة أن القوى السياسية تجاهلت تمامًا الأجور والسكن والخدمات، فهذه القضايا كانت موجودة في برامج وخطابات كثيرة. المشكلة كانت في غياب البنية التي تجعل هذه المطالب أساسًا لعلاقة مستمرة مع قطاعات اجتماعية واسعة.

هناك فارق بين أن يتضمن البرنامج السياسي مطلبًا للعدالة الاجتماعية، وبين أن توجد مؤسسات وتنظيمات تعمل يوميًا مع من تتعلق حياتهم بهذا المطلب.

كما أضعفت الانقسامات الداخلية قدرة القوى المعارضة على بناء جبهة واسعة. اختلافات حقيقية في المواقف من المجلس العسكري والإخوان والدستور والانتخابات تحولت في أحيان كثيرة إلى صراعات يصعب إدارتها. ومع ضعف التقاليد الديمقراطية داخل عدد من التنظيمات نفسها، أصبحت الخلافات سببًا إضافيًا للتفتت.

ولا ينبغي هنا الحديث عن «المعارضة» باعتبارها كتلة واحدة. كانت هناك أحزاب وحركات ونقابات ومجموعات محلية وتجارب مختلفة جدًا في توجهاتها وطرق عملها. بعضها حاول بالفعل بناء قواعد اجتماعية أو العمل على قضايا اقتصادية ونقابية. لكن المحصلة العامة كشفت عن فجوة كبيرة بين حجم الغضب الذي ظهر في يناير وبين القدرة التنظيمية للقوى التي أرادت تحويله إلى مسار سياسي واجتماعي مستمر.

كيف أعادت منظومة الحكم بناء نفسها؟

بعد مرحلة الارتباك التي أعقبت يناير، بدأت مؤسسات الحكم تستعيد قدرتها على السيطرة. ومع السنوات التالية أعيد تشكيل المجال العام بصورة أكثر تقييدًا.

كان القانون أحد الأدوات المستخدمة في ذلك. توسعت القيود على التظاهر والتنظيم والعمل الأهلي والإعلام، واتسع استخدام الحبس الاحتياطي، وتراجعت المساحات المتاحة للعمل السياسي المستقل. وأصبح النشاط العام نفسه أكثر تكلفة على الأفراد والتنظيمات.

هذه التحولات لم تحدث في المجال السياسي وحده. بالتوازي معها شهد الاقتصاد المصري تغيرات واسعة، وتوسع الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية في عدد من القطاعات، وارتفعت الديون، وتعرضت قيمة الأجور لضغوط متزايدة، وارتفعت تكاليف المعيشة بصورة أثرت في قطاعات واسعة من المجتمع.

العلاقة بين المسارين مهمة. فالقدرة على المشاركة السياسية لا تتحدد فقط بوجود نص يسمح بالتظاهر أو يمنعه. ظروف العمل والدخل والسكن والأمان الاجتماعي تؤثر أيضًا في قدرة الناس على تحمل تكلفة العمل العام.

الشخص الذي يعمل في وظيفة غير مستقرة، أو يواجه صعوبة مستمرة في الوفاء باحتياجات أسرته، أو يخشى الهبوط الاجتماعي، يملك مساحة أقل لتحمل المخاطر. وكلما ارتفعت تكلفة الفعل السياسي أصبحت المشاركة نفسها أكثر اعتمادًا على أفراد يستطيعون دفع هذه التكلفة.

لهذا لا يمكن فصل المجال السياسي عن الاقتصاد. القمع يرفع تكلفة التنظيم مباشرة، والضغط الاقتصادي يرفعها بطريقة أخرى. واجتماعهما يجعل بناء تنظيمات مستقرة أكثر صعوبة.

لكن هذا القسم تحديدًا يحتاج إلى الحذر من الاختزال. التحولات الاقتصادية التي جرت خلال السنوات التالية ليناير أكبر من أن تفسر باعتبارها مجرد أداة للسيطرة السياسية. لها أسباب وسياسات ومصالح متعددة. ما يعنينا هنا هو أثرها على شروط الفعل العام، وعلى قدرة قطاعات واسعة من الناس على المشاركة والتنظيم.

ماذا كشفت يناير عنّا نحن؟

من السهل بعد خمسة عشر عامًا أن نعيد قراءة ما حدث بمعرفة النتيجة. وهذه المعرفة نفسها قد تصبح مشكلة إذا جعلتنا نتصور أن الخيارات الصحيحة كانت واضحة في وقتها.

لم تكن كذلك.

الأحداث كانت تتحرك بسرعة، وموازين القوى لم تكن واضحة، ولم تكن هناك خبرة سابقة يمكن القياس عليها. كثير من القرارات التي تبدو الآن قصيرة النظر اتخذت في ظروف لم يكن من الممكن معرفة نتائجها مسبقًا.

لكن هذا لا يمنع مراجعة التجربة.

كشفت يناير ضعف الوسائط بين السياسة والمجتمع، وهشاشة كثير من التنظيمات، وصعوبة إدارة الاختلاف، وحدود الاعتماد على الحشد. وأظهرت أن الغضب، مهما كان واسعًا، لا ينتج من تلقاء نفسه تنظيمًا قادرًا على الاستمرار.

وكشفت أيضًا أن تصور السلطة باعتبارها رأس النظام كان أبسط من الواقع. كان إسقاط مبارك حدثًا هائلًا، لكنه لم يؤد تلقائيًا إلى تغيير المؤسسات والعلاقات والمصالح التي تشكلت خلال عقود.

لم تكن المشكلة أننا لم نعرف «الدولة» معرفة نظرية كافية، وإنما أننا اكتشفنا عمليًا أن تغيير رأس السلطة شيء، وتغيير البنية المؤسسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعمل من خلالها شيء آخر أكثر تعقيدًا.

كما كشفت التجربة هشاشة الروابط التي كان يفترض أن تحمل مشروعًا واسعًا للتغيير. مع تصاعد الخلافات والقمع وارتفاع تكلفة المشاركة، انسحب كثيرون إلى حياتهم الخاصة ودوائرهم الضيقة.

لا أعتقد أن تفسير ذلك بالجبن أو اللامبالاة مفيد. الفعل الجماعي له تكلفة، وعندما يصبح الفرد مطالبًا بتحمل هذه التكلفة وحده، من دون تنظيم يحميه أو أفق واضح لما يمكن تحقيقه، يصبح الانسحاب مفهومًا.

وهنا تظهر مرة أخرى أهمية التنظيم. التنظيم ليس مجرد وسيلة للحشد، وإنما طريقة لتوزيع تكلفة المشاركة، والحفاظ على الخبرة، ونقلها، وتوفير مساحة يستطيع الأفراد داخلها الاستمرار رغم الخسائر.

يناير كمعرفة لا كذكرى

ربما يكون أهم ما بقي من يناير هو الخبرة التي أنتجتها.

نعرف الآن أكثر عن حدود الحشد وحده، وعن الفارق بين إسقاط رأس السلطة وتغيير بنيتها، وعن صعوبة بناء تنظيمات أثناء الأزمات، وعن أثر غياب المؤسسات القادرة على الاستمرار بعد انتهاء لحظة الاحتجاج.

ونعرف أيضًا أن الفصل بين الحرية والعدالة الاجتماعية يضعف الاثنين. الحقوق السياسية تحتاج إلى قاعدة اجتماعية تستطيع الدفاع عنها، والمطالب المتعلقة بالأجور والعمل والسكن والخدمات تحتاج بدورها إلى الحق في التنظيم والتعبير والتفاوض.

كما نعرف أن العمل السياسي لا يبدأ من لحظة الانفجار. السنوات التي سبقت يناير مهمة بقدر الأيام الثمانية عشر نفسها لفهم ما حدث. الإضرابات والحركات الاجتماعية والاحتجاجات الصغيرة والتراكم البطيء كلها صنعت الظروف التي أصبح فيها الانفجار ممكنًا.

وهذا ربما يعيدنا إلى السؤال عن الطريقة التي نتذكر بها يناير. التركيز على الميدان وحده يجعل اللحظة تبدو كأنها ظهرت فجأة ثم اختفت. أما النظر إلى ما سبقها فيكشف مسارًا أطول من الاحتجاج والتغير الاجتماعي.

والخبرة لا تقتصر على ما نجح. الأخطاء والانقسامات والمحاولات التي لم تستمر جزء منها أيضًا. حفظ هذه الخبرة ومراجعتها أكثر فائدة من تحويل يناير إلى قصة بطولة مكتملة أو إلى قصة فشل مكتمل.

هناك أشخاص دفعوا ثمنًا كبيرًا خلال هذه السنوات: قتل ومعتقلون ومسارات حياة تعطلت أو تغيرت بالكامل. وهذه الكلفة تجعل المراجعة أكثر ضرورة، لكنها لا ينبغي أن تحولها إلى محاكمة أخلاقية للأشخاص الذين شاركوا في التجربة.

السؤال الأكثر فائدة هو ما الذي يمكن معرفته الآن ولم نكن نعرفه وقتها.

من الذكرى إلى الخبرة

بعد خمسة عشر عامًا، لا أظن أن استعادة يناير تحتاج إلى الحنين إلى الميدان، ولا إلى إعادة محاكمتها كل عام بالسؤال نفسه: هل نجحت أم فشلت؟

يمكن النظر إليها باعتبارها تجربة تاريخية ما تزال قريبة بما يكفي لكي تكون جزءًا من حياتنا، وبعيدة بما يكفي لكي نبدأ في مراجعتها بهدوء أكبر.

تركت يناير أسئلة لم تحسم. كيف يمكن بناء تنظيمات تستطيع الاستمرار خارج لحظات الحشد؟ كيف يمكن إعادة وصل السياسة بالحياة اليومية للناس؟ كيف يمكن إدارة الاختلاف داخل أي حركة واسعة من دون أن يتحول إلى تفكك؟ وكيف يمكن الحفاظ على الخبرة والذاكرة بحيث لا يبدأ كل جيل من الصفر؟

هذه الأسئلة لا تملك إجابات جاهزة، وتجربة يناير نفسها لا تقدم نموذجًا يمكن نسخه.

لكنها تقول شيئًا مهمًا عن فكرة «اللحظة» التي انتظرناها طويلًا. اللحظة الكبرى يمكن أن تفتح مساحة لم تكن موجودة، ويمكن أن تغير ميزان القوى بسرعة غير متوقعة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء المؤسسات والتنظيمات والعلاقات الاجتماعية التي يحتاجها أي تغيير طويل المدى.

هذه الأشياء تبدأ قبل اللحظة، وتستمر بعدها.

من هنا تبدو السنوات التي سبقت يناير جزءًا من معناها، وليس مجرد مقدمة لها. الاحتجاجات العمالية، والحركات السياسية والحقوقية، والنقابات المستقلة، ومحاولات كسر احتكار المجال العام، كلها راكمت خبرات ومساحات لم تظهر فجأة يوم 25 يناير.

وبالمعنى نفسه، فإن ما بقي بعد انكسار اللحظة لا يختصر في الهزيمة. بقيت خبرات وتجارب وأسئلة وذاكرة، وبقي أيضًا إدراك أوضح لصعوبة التغيير ولحجم البنية التي يواجهها.

لهذا تبدو يناير بالنسبة لي اليوم أقرب إلى معرفة مفتوحة منها إلى ذكرى مكتملة. لا تقدم طريقًا جاهزًا للمستقبل، ولا تعطينا وصفة لما ينبغي فعله. لكنها تمنحنا مادة واسعة لفهم المجتمع والسلطة وتجربتنا نحن، وربما تساعدنا على ألا نبدأ في كل مرة من النقطة نفسها.