في الأول من نوفمبر 2024، انهارت مظلة خرسانية في محطة السكك الحديدية بمدينة نوفي ساد الصربية، بعد أعمال تجديد للمحطة. أسفر الانهيار عن وفاة ستة عشر شخصًا، وأثار غضبًا واسعًا بسبب الشكوك المحيطة بسلامة أعمال البناء والرقابة الحكومية والتعاقدات المرتبطة بالمشروع. بدأت الاحتجاجات بالمطالبة بالكشف عن المسؤولين ومحاسبتهم، ثم اتسعت تدريجيًا لتصبح واحدة من أكبر الحركات الاحتجاجية التي شهدتها صربيا منذ سقوط سلوبودان ميلوشيفيتش عام 2000.
لم يكن الطلاب أول من احتج على الكارثة. فقد شاركت أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني في تنظيم التحركات الأولى. لكن الاعتداء على طلاب كلية الفنون الدرامية في بلغراد، خلال وقفة احتجاجية يوم 22 نوفمبر 2024، دفع الطلاب إلى إغلاق الكلية احتجاجًا على الاعتداء والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عنه. وخلال أسابيع، امتدت الإغلاقات إلى كليات وجامعات أخرى، وأصبح الطلاب القوة الرئيسية في حركة احتجاجية أخذت تتوسع خارج أسوار الجامعات.
وبعد ما يقرب من عامين، وصلت الحركة إلى محطة مختلفة تمامًا. ففي الانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت يوم 25 أكتوبر 2026، حصلت القائمة المدعومة من الطلاب على أغلبية الأصوات والمقاعد، وأقر ألكسندر فوتشيتش بهزيمة التحالف الحاكم. كانت نتيجة يصعب فصلها عن الاحتجاجات التي استمرت منذ كارثة نوفي ساد، لكنها فتحت مرحلة جديدة تختلف عن سنوات التعبئة والاعتصام.
تثير التجربة الصربية أسئلة تتجاوز نتائج الانتخابات. فقد استطاع الطلاب بناء حركة واسعة خارج الأحزاب التقليدية، والحفاظ على استقلالهم التنظيمي، والوصول إلى قطاعات اجتماعية لم تكن جزءًا من الاحتجاجات الأولى. ويحتاج فهم هذه التجربة إلى العودة لتاريخ الحركة الطلابية الصربية، وطبيعة التنظيم الذي اختاره الطلاب، وعلاقتهم بالمجتمع والقوى السياسية. والأهم هو فهم الأسباب التي جعلت الابتعاد عن الأحزاب مصدرًا لقوة الحركة، ثم تحول مع اتساعها إلى قضية تثير الخلاف داخلها.
تاريخ طويل من الاحتجاج الطلابي
تحتل الحركة الطلابية مكانة مهمة في التاريخ السياسي الصربي. ففي يونيو 1968، شهدت جامعة بلغراد احتجاجات واسعة ضد التفاوت الاجتماعي والامتيازات التي تمتعت بها البيروقراطية الحاكمة في يوغوسلافيا الاشتراكية. احتل الطلاب مباني الجامعة، وطالبوا بإصلاحات اجتماعية وسياسية، وانتقدوا التناقض بين المبادئ الاشتراكية المعلنة والواقع الذي يعيشونه. انتهت الاحتجاجات بعد تدخل الرئيس اليوغوسلافي جوزيب بروز تيتو، لكن التجربة تركت أثرًا في تاريخ النشاط السياسي داخل الجامعات.
ومع تفكك يوغوسلافيا وصعود سلوبودان ميلوشيفيتش، عادت الجامعات إلى المشاركة في الاحتجاجات السياسية. ففي مارس 1991، خرج الطلاب احتجاجًا على قمع المظاهرات المعارضة، ثم شهد عام 1992 تحركات طلابية ضد سياسات ميلوشيفيتش في سياق الحروب التي صاحبت تفكك الاتحاد اليوغوسلافي.
كانت احتجاجات 1996 و1997 محطة أكثر أهمية في تطور العلاقة بين الطلاب والأحزاب. فقد اندلعت المظاهرات بعد إلغاء نتائج انتخابات محلية حققت فيها المعارضة انتصارات في عدد من المدن. شارك الطلاب في الاحتجاجات، لكنهم حافظوا على تنظيم مستقل نسبيًا عن الأحزاب المعارضة، واستخدموا المسيرات اليومية والسخرية السياسية وأشكالًا مبتكرة من الاحتجاج السلمي. واستمرت الحركة الطلابية عدة أشهر، وساهمت في الضغط على السلطة للاعتراف بنتائج الانتخابات.
وفي أكتوبر 1998، ظهرت حركة «أوتبور»، وتعني «المقاومة»، التي أسسها ناشطون طلابيون اعتراضًا على سياسات السلطة والتضييق على الجامعات. اعتمدت الحركة على شبكات تنظيمية منتشرة في مدن مختلفة، واستخدمت الرموز الموحدة والحملات الساخرة والاحتجاجات السلمية. ومع اقتراب انتخابات عام 2000، أصبحت جزءًا مهمًا من التعبئة السياسية التي انتهت بسقوط ميلوشيفيتش في الخامس من أكتوبر.
لكن النشاط الطلابي استمر بعد سقوطه. فقد شهدت الجامعات خلال السنوات التالية احتجاجات تتعلق بالرسوم الدراسية وإصلاح التعليم العالي، وتكررت إغلاقات الكليات والاجتماعات الطلابية المفتوحة، خاصة خلال الفترة من 2006 إلى 2014. وأسهمت هذه التجارب في تطوير أدوات التنظيم الجماعي واتخاذ القرار داخل الجامعات.
يكشف هذا التاريخ أن استقلال الطلاب عن الأحزاب، واستخدام الجامعات باعتبارها مساحات للتنظيم السياسي، لهما جذور سابقة على حركة 2024. ومع ذلك، اختلفت الظروف التي نشأت فيها كل حركة، كما اختلفت مطالبها وعلاقتها بالقوى السياسية. فقد واجه طلاب التسعينيات نظام ميلوشيفيتش في سياق الحروب والانقسامات القومية، بينما نشأت الحركة الحالية حول مطالب المحاسبة والشفافية واستقلال المؤسسات.
من كارثة محلية إلى قضية عامة
بدأت الحركة الحالية بمطالب محددة. أراد المحتجون نشر الوثائق المتعلقة بتجديد محطة نوفي ساد، والتحقيق في المسؤوليات عن انهيار المظلة، ومحاسبة المعتدين على الطلاب والمشاركين في الاحتجاجات. وبعد اتساع الإغلاقات الجامعية، أضاف الطلاب المطالبة بإسقاط الملاحقات ضد المحتجين وزيادة تمويل الجامعات.
كانت قوة هذه المطالب في ارتباطها بواقعة يستطيع المواطنون فهم نتائجها المباشرة. فقد تحولت كارثة المحطة إلى مثال على ما يمكن أن يترتب على غياب الشفافية وضعف الرقابة على المشروعات العامة. وأصبح الكشف عن الوثائق ومحاسبة المسؤولين مدخلًا لمناقشة أداء المؤسسات وقدرتها على حماية المواطنين.
ساعدت طبيعة المطالب على توسيع المشاركة. فالمحاسبة على وفاة ستة عشر شخصًا، والكشف عن المعلومات المتعلقة بمشروع عام، ومساءلة المسؤولين عن الاعتداء على المحتجين، قضايا يمكن أن تجمع أشخاصًا يختلفون في مواقفهم من الأحزاب والسياسات الاقتصادية والعلاقات الخارجية.
وكانت هذه إحدى السمات المهمة للحركة. فقد تجنب الطلاب في البداية الدخول في الخلافات السياسية التي قسمت المعارضة الصربية لسنوات، وركزوا على مطالب يستطيعون الدفاع عنها دون الحاجة إلى الاتفاق على برنامج سياسي شامل.
لكن اتساع الحركة ارتبط أيضًا بطريقة تعامل السلطة معها. فقد واجه الطلاب اتهامات بالعمل لمصلحة جهات خارجية ومحاولة زعزعة الاستقرار، وتعرض بعض المشاركين للاعتقال والاعتداء، بينما واجه أساتذة وعاملون في مؤسسات عامة ضغوطًا بسبب دعمهم للاحتجاجات. وأسهم استمرار المواجهة في توسيع النقاش حول استقلال المؤسسات والحريات العامة.
تنظيم من دون قيادة فردية
اختار الطلاب نموذجًا تنظيميًا يقوم على الجمعيات العامة داخل الكليات، المعروفة باسم «بلينوم». وهي اجتماعات مفتوحة للطلاب تناقش المطالب وأشكال الاحتجاج والقرارات المتعلقة باستمرار الإغلاقات والتنسيق مع الكليات الأخرى.
اعتمد هذا النموذج على مشاركة الطلاب في المناقشة واتخاذ القرار، مع تشكيل مجموعات عمل تتولى المهام اليومية، مثل التواصل والتنظيم وتوفير الاحتياجات وحماية المشاركين في الاحتجاجات. وتجنب الطلاب تقديم شخصية واحدة باعتبارها قائدًا للحركة أو متحدثًا دائمًا باسمها.
كانت لهذه الطريقة مزايا واضحة. فقد أتاحت مشاركة أعداد كبيرة من الطلاب في القرارات، وساعدت على استمرار الحركة رغم الضغوط التي تعرض لها بعض الناشطين. كما منحت الحركة صورة مختلفة عن الأحزاب التي اعتاد المواطنون ارتباطها بقيادات محددة وصراعات داخلية طويلة.
لكن التنظيم الجماعي واجه صعوبات أيضًا. فالمناقشات الواسعة تحتاج إلى وقت، والتنسيق بين جامعات متعددة يزداد تعقيدًا مع اتساع الحركة. كما أن غياب القيادة الفردية المعلنة لا يلغي وجود أشخاص ومجموعات أكثر تأثيرًا في صياغة المقترحات وإدارة العمل اليومي.
ومن المهم هنا التمييز بين الاستقلال عن الأحزاب وغياب السياسة. فقد اتخذ الطلاب قرارات سياسية منذ البداية، سواء في اختيار مطالبهم أو تحديد علاقتهم بالسلطة والمعارضة أو تنظيم الاحتجاجات. وكان رفضهم الخضوع لقيادة الأحزاب اختيارًا سياسيًا وتنظيميًا، ساعدهم على مخاطبة جمهور أوسع من القواعد التقليدية للمعارضة.
وتشير الدراسات التي تناولت الجمعيات العامة إلى أن هذا النموذج ساعد على بناء الثقة بين المشاركين، ومنح الطلاب خبرة مباشرة في المناقشة والعمل الجماعي. فقد أصبحت الاجتماعات نفسها جزءًا من التجربة السياسية التي يعيشها الطلاب، إلى جانب المظاهرات والاعتصامات.
كيف خرجت الحركة من الجامعات؟
كان التحدي الأكبر أمام الطلاب هو الوصول إلى المجتمع خارج الجامعات الكبرى. فاستمرار الإغلاقات والمظاهرات داخل بلغراد ونوفي ساد كان يمكن أن يحصر الحركة في الأوساط الطلابية والأكاديمية، خاصة مع سيطرة وسائل الإعلام القريبة من السلطة على قطاعات واسعة من المجال الإعلامي.
لذلك بدأ الطلاب تنظيم مسيرات طويلة سيرًا على الأقدام وبالدراجات، انطلقت من المدن الجامعية إلى مدن وبلدات أصغر. واستقبلهم السكان بالطعام والإقامة والمساعدة في تنظيم الفعاليات، بينما أتاحت اللقاءات المباشرة للطلاب شرح مطالبهم والاستماع إلى المشكلات التي يواجهها المواطنون.
ومع مرور الوقت، تطورت هذه التحركات إلى مبادرة عُرفت باسم «طالب في كل قرية»، هدفت إلى الوصول إلى المناطق التي يصعب فيها الاعتماد على وسائل الإعلام المستقلة لنقل أخبار الاحتجاجات.
كانت أهمية هذه التجربة في العلاقة التي نشأت بين الطلاب والسكان. فقد قدم المواطنون الدعم للحركة، وفي المقابل ساعد وجود الطلاب على تشجيع مجموعات محلية على التعبير عن مطالبها ومناقشة مشكلاتها مع السلطات.
ومع اتساع الاحتجاجات، انضم أساتذة جامعات ومعلمون ومجموعات مهنية وقطاعات اجتماعية أخرى إلى التحركات. وشهدت بلغراد في 15 مارس 2025 واحدة من أكبر المظاهرات في تاريخ البلاد الحديث، وقدرت جهات مستقلة لرصد الحشود عدد المشاركين بمئات الآلاف.
لم يكن هذا الاتساع نتيجة التنظيم الطلابي وحده. فقد سبقت الحركة سنوات من الاحتجاجات على قضايا الفساد والانتخابات والمشروعات الاقتصادية، وكانت هناك قطاعات اجتماعية غاضبة من أداء السلطة. لكن الطلاب استطاعوا توفير مساحة مشتركة للتعبير عن هذا الغضب، وساعد استقلالهم عن الأحزاب على مشاركة أشخاص لم يكونوا مستعدين للانضمام إلى تحركات تقودها المعارضة التقليدية.
ومع ذلك، واجهت الحركة حدودًا في قدرتها على التعبئة. فلم تحقق الدعوات إلى الإضراب العام استجابة واسعة في جميع القطاعات، واستمرت ضغوط السلطة على العاملين في المؤسسات العامة. ويكشف ذلك أن اتساع التأييد الشعبي لا يعني بالضرورة امتلاك الحركة القدرة التنظيمية نفسها داخل جميع المؤسسات والمناطق.
لماذا ابتعد الطلاب عن الأحزاب؟
لم يكن رفض الطلاب الارتباط بالأحزاب التقليدية قرارًا منفصلًا عن الظروف السياسية التي نشأت فيها الحركة. فقد حكم الحزب التقدمي الصربي البلاد منذ عام 2012، واستطاع بناء شبكة واسعة من النفوذ داخل المؤسسات العامة والإعلام والإدارة المحلية. وفي المقابل، عانت المعارضة من الانقسامات السياسية والتنظيمية، رغم نجاحها في تنظيم احتجاجات كبيرة خلال السنوات السابقة.
كانت انتخابات ديسمبر 2023 مثالًا على هذه الأزمة. فقد استطاع تحالف «صربيا ضد العنف» جمع قوى معارضة مختلفة، وحصل على نحو ربع الأصوات في الانتخابات البرلمانية، لكن الخلافات عادت سريعًا بين مكوناته، وتباينت مواقفها من المشاركة في الانتخابات المحلية التالية أو مقاطعتها.
وجد الطلاب أنفسهم أمام معارضة تستطيع التعبئة، لكنها تعاني صعوبة في الحفاظ على وحدتها وكسب ثقة قطاعات أوسع من المجتمع. وكان ارتباط الحركة بأحد أحزابها أو تحالفاتها سيضعها داخل الانقسامات نفسها، ويمنح السلطة فرصة لتصوير الاحتجاجات باعتبارها محاولة جديدة من المعارضة للوصول إلى الحكم.
لذلك حرص الطلاب على إبعاد الرموز الحزبية عن احتجاجاتهم، ورفضت جمعيات طلابية مشاركة الأحزاب بصفتها التنظيمية أو تقديم شخصيات سياسية باعتبارها ممثلة للحركة. وكان بإمكان أعضاء الأحزاب ومؤيديها المشاركة بصفتهم مواطنين، لكن الحركة احتفظت لنفسها بحق تحديد مطالبها وأشكال احتجاجها.
لم يكن هذا الموقف محل اتفاق كامل. فقد انتقد بعض الناشطين محاولات إبعاد الشعارات السياسية والأيديولوجية، ورأوا أن التركيز على المطالب العامة قد يخفي خلافات حقيقية داخل المجتمع. كما أثارت الرموز القومية والدينية التي ظهرت في بعض الاحتجاجات تساؤلات عن مدى قدرة الحركة على استيعاب جميع الاتجاهات السياسية بالقدر نفسه.
وتكشف هذه الخلافات أن استقلال الحركة عن الأحزاب لم يجعلها خالية من التوجهات السياسية. فقد ضمت طلابًا ينتمون إلى اتجاهات مختلفة، وكان عليهم البحث عن مطالب مشتركة تسمح باستمرار العمل الجماعي رغم اختلافاتهم.
لكن الابتعاد عن الأحزاب منح الحركة ميزة مهمة. فقد استطاعت الوصول إلى مؤيدين من اتجاهات سياسية متباينة، بما في ذلك قطاعات كانت بعيدة عن المعارضة التقليدية. وتشير دراسة أكاديمية نشرت في أكتوبر 2026، واعتمدت على استطلاعات رأي ومسح لنشطاء طلابيين في ست جامعات، إلى أن الحركة استطاعت جذب مؤيدين من التيارات المؤيدة للاتحاد الأوروبي والمعارضة له، بل وبعض المؤيدين السابقين للسلطة.
ساعد التركيز على المحاسبة ومكافحة الفساد واستقلال المؤسسات على بناء أرضية مشتركة، رغم استمرار الخلافات حول قضايا أخرى. وقد كان لهذه القدرة على جمع اتجاهات مختلفة دور في توسيع الحركة، لكنها تركت أسئلة مؤجلة عن كيفية التعامل مع تلك الخلافات إذا انتقلت الحركة من الاحتجاج إلى ممارسة السلطة.
المعارضة بين التأييد والخلاف
لم تتعامل أحزاب المعارضة مع الحركة الطلابية بموقف واحد. فقد أعلنت قوى سياسية تأييدها لمطالب الطلاب، وشارك أعضاء ومؤيدون لها في المظاهرات، بينما حاولت بعض الأحزاب تقديم مبادرات سياسية للخروج من الأزمة، من بينها المطالبة بتشكيل حكومة انتقالية تتولى تهيئة الظروف لإجراء انتخابات جديدة.
لكن الطلاب حافظوا على مسافة من هذه المبادرات. فقد ظل مطلبهم الأساسي خلال الأشهر الأولى تنفيذ المطالب المتعلقة بكارثة نوفي ساد ومحاسبة المسؤولين، ورفضوا الدخول في مفاوضات سياسية باسم الحركة أو الانضمام إلى تحالف تقوده المعارضة.
وكان هذا الموقف مصدرًا للتوتر أحيانًا. فالأحزاب المعارضة رأت في اتساع الاحتجاجات فرصة للضغط على السلطة، بينما خشي الطلاب من أن يؤدي دخول الأحزاب إلى فقدان الحركة استقلالها وثقة قطاعات من مؤيديها.
ومع استمرار الاحتجاجات دون استجابة كافية لمطالبها، بدأت الحركة تواجه سؤالًا صعبًا: كيف يمكن تحقيق تغيير مؤسسي واسع من خلال الاحتجاج وحده، في ظل استمرار سيطرة الحزب الحاكم على البرلمان والحكومة وأجهزة الإدارة؟
في الخامس من مايو 2025، أعلنت الحركة مطالبتها بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة. كان القرار تحولًا مهمًا، فقد انتقلت من مطالبة المؤسسات القائمة بتنفيذ مطالب محددة إلى البحث عن تغيير موازين القوى داخل المؤسسات السياسية نفسها.
وأثار التحول نقاشات داخل الحركة حول جدوى المشاركة في الانتخابات وطريقة اختيار المرشحين. فبعض الطلاب رأوا أن الانتخابات يمكن أن توفر طريقًا لتحقيق مطالب الحركة، بينما أثار آخرون مخاوف من فقدان الاستقلال التنظيمي الذي ساعد على استمرار الاحتجاجات.
ومع اقتراب الانتخابات، اتجه الطلاب إلى دعم قائمة تضم شخصيات من خارج الأحزاب التقليدية، من بينها أكاديميون وأطباء وخبراء وشخصيات عامة. وكان اختيار مرشحين من خارج الحركة الطلابية نفسها محاولة للحفاظ على دور الطلاب في التعبئة والتنظيم، مع تقديم أشخاص لديهم خبرات مهنية وعامة للمشاركة في المؤسسات السياسية.
لكن تشكيل القائمة لم ينهِ الخلافات مع المعارضة. فقد أعلنت بعض الأحزاب استعدادها لدعم القائمة الطلابية والابتعاد عن المنافسة معها، بينما فضلت قوى أخرى الاحتفاظ باستقلالها السياسي، ورفضت فكرة التخلي عن دورها لصالح حركة لا تتبنى برنامجًا سياسيًا واضحًا في جميع القضايا.
وفي مارس 2026، كانت الخلافات بشأن التعاون الانتخابي بين الطلاب والمعارضة لا تزال قائمة، وأشارت تقارير صحفية صربية إلى أن تشكيل قائمة برلمانية مشتركة لم يعد مطروحًا بصورة جدية.
تكشف هذه التطورات أن العلاقة بين الحركة والأحزاب مرت بمراحل مختلفة. فقد بدأت برفض القيادة الحزبية للاحتجاجات، ثم انتقلت إلى خلاف حول المبادرات السياسية، وانتهت إلى مواقف متباينة من القائمة الانتخابية المدعومة من الطلاب.
والأهم أن الطلاب استطاعوا فرض أنفسهم باعتبارهم قوة سياسية مستقلة، وأصبحت الأحزاب المعارضة مضطرة إلى تحديد موقفها من الحركة ومبادراتها، بعد أن كانت الأحزاب هي الطرف المعتاد على قيادة التحالفات السياسية والاحتجاجات الكبرى.
من الاحتجاج إلى السلطة
أظهرت النتائج الأولية لانتخابات 25 أكتوبر 2026 حصول القائمة المدعومة من الطلاب على أغلبية الأصوات ومقاعد البرلمان. وأقر فوتشيتش بهزيمة تحالفه، لتبدأ مرحلة جديدة في الحياة السياسية الصربية بعد سنوات طويلة من هيمنة الحزب التقدمي الصربي.
تمنح النتيجة الحركة فرصة لتطبيق مطالبها المتعلقة بمكافحة الفساد واستقلال القضاء وحرية الإعلام وإصلاح المؤسسات العامة. لكنها تضعها أيضًا أمام مشكلات لم تكن مضطرة إلى حسمها خلال الاحتجاجات.
فالقائمة تضم شخصيات ذات خلفيات سياسية وفكرية مختلفة، وقد ساعد الاتفاق على مواجهة الفساد والمطالبة بالمحاسبة على جمعها. أما إدارة الحكومة فتحتاج إلى اتخاذ مواقف من السياسات الاقتصادية والعلاقات الخارجية وقضية كوسوفو والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي وروسيا، وهي ملفات تنطوي على خلافات عميقة داخل المجتمع الصربي.
كذلك تواجه الحركة تحديًا يتعلق بنموذجها التنظيمي. فقد ساعدت الجمعيات العامة والقيادة الجماعية على توسيع المشاركة خلال الاحتجاجات، لكن العمل داخل المؤسسات يفرض تحديد المسؤوليات، واختيار القيادات، واتخاذ قرارات ملزمة، والخضوع للمحاسبة على نتائجها.
وتظهر هنا مشكلة العلاقة بين الطلاب والمرشحين الذين دعموهم. فالجمعيات العامة التي كانت تتخذ قرارات الاحتجاج وتحدد المطالب لا تملك بالضرورة الآليات نفسها لمراقبة أعضاء البرلمان أو محاسبة الحكومة. كما أن الشخصيات المنتخبة ستواجه مسؤوليات دستورية وسياسية تختلف عن مسؤولياتها خلال الحملة الانتخابية.
ومن المبكر اعتبار الفوز الانتخابي دليلًا على نجاح الحركة في تغيير المؤسسات. فقد حققت الحركة تحولًا سياسيًا مهمًا، لكن قدرتها على تنفيذ الإصلاحات التي طالبت بها ستتوقف على قراراتها خلال المرحلة المقبلة، وعلى مدى احتفاظ المواطنين بقدرتهم على مراقبة السلطة الجديدة ومحاسبتها.
ما الذي تكشفه التجربة الصربية؟
تقدم الحركة الطلابية الصربية تجربة مهمة في كيفية بناء تنظيم سياسي واجتماعي واسع خارج الأحزاب التقليدية. فقد بدأت بمطالب محددة، واعتمدت على مشاركة الطلاب في اتخاذ القرارات، ثم وسعت نشاطها إلى المدن والقرى، واستطاعت جذب قطاعات اجتماعية مختلفة حول مطالب المحاسبة والشفافية واستقلال المؤسسات.
ساعدها تاريخ طويل من الاحتجاج الطلابي، كما استفادت من أزمة الثقة في الأحزاب المعارضة ومن الغضب المتراكم تجاه أداء السلطة. لكن العامل الأكثر أهمية في تجربتها ربما كان قدرتها على تحويل التأييد إلى مشاركة فعلية، من خلال الجمعيات العامة والمسيرات واللقاءات المباشرة مع السكان.
وكان استقلالها عن الأحزاب جزءًا أساسيًا من هذه التجربة. فقد منحها مساحة للحركة خارج الانقسامات السياسية القائمة، وساعدها على جمع مؤيدين يختلفون في توجهاتهم ومواقفهم. لكنه لم يلغِ هذه الخلافات، وبدأت تظهر بوضوح مع انتقال الحركة إلى المنافسة الانتخابية.
ولا تقدم التجربة نموذجًا تنظيميًا جاهزًا يمكن نقله إلى مجتمعات أخرى. فقد نشأت في ظروف سياسية واجتماعية محددة، وواجهت تحديات لم تنتهِ مع الفوز الانتخابي. كما أن الابتعاد عن الأحزاب، الذي ساعدها على توسيع قاعدتها، أصبح يفرض عليها الآن البحث عن وسائل جديدة للتمثيل واتخاذ القرار.
ربما يكون أهم ما تكشفه التجربة أن بناء حركة واسعة يحتاج إلى أكثر من الاتفاق على رفض السلطة القائمة. فقد استطاع الطلاب الاستمرار لأنهم طوروا أدوات للتنظيم والمشاركة، ونجحوا في بناء علاقات مع المجتمع خارج الجامعة، وقدموا مطالب واضحة أمكن لقطاعات مختلفة الالتقاء حولها.
أما الاختبار الأصعب فقد بدأ الآن. فالحركة التي طالبت باستقلال المؤسسات ومحاسبة المسؤولين أصبحت مطالبة بإثبات قدرتها على احترام المبادئ نفسها بعد وصول ممثليها إلى البرلمان. وسيكون مستقبل التجربة مرتبطًا بقدرتها على الحفاظ على المشاركة والمحاسبة، وهي تنتقل من الاحتجاج على السلطة إلى تحمل مسؤولية ممارستها.
المراجع والمصادر
1. مركز الدراسات الشرقية البولندي (OSW)، «الطلاب في مواجهة النظام: استراتيجيات الاحتجاج في صربيا»، 21 مايو 2025. يتناول نشأة الحركة ومطالبها والجمعيات العامة والتوسع خارج الجامعات، وكذلك علاقتها بأحزاب المعارضة.
2. دراسة «ما وراء الاستقطاب الأيديولوجي: كيف يوحد الطلاب الصرب ناخبي المعارضة المنقسمين»، دورية Democratization، أكتوبر 2026. تعتمد على استطلاعات رأي وبيانات من ست جامعات، وتناقش أثر الاستقلال الحزبي في توسيع التأييد للحركة.
3. دراسة «نزع الطابع السياسي عن الاحتجاج: فهم الانتفاضة الطلابية الصربية 2024–2025»، 2025. تتناول رفض الحركة للرموز الحزبية والتوترات السياسية والأيديولوجية داخلها.
4. صحيفة الغارديان، «بعد عام من احتجاجات الشوارع، طلاب صربيا منقسمون حول الخطوة التالية»، 31 أكتوبر 2025. يناقش التقرير الخلافات داخل الحركة بشأن الانتقال من الاحتجاج إلى المنافسة الانتخابية.
5. صحيفة NIN الصربية، «من سيترشح إلى أندريتشيف فيناتس؟ السلطة بلا مرشح قوي والمعارضة والطلاب منقسمون»، 11 مارس 2026. يتناول العلاقة بين الحركة الطلابية وأحزاب المعارضة والخلافات حول التعاون الانتخابي.
6. مركز الدراسات الشرقية البولندي (OSW)، «فوتشيتش أم الطلاب؟ صربيا قبل الانتخابات البرلمانية»، 21 أكتوبر 2026. يتناول تطور الحركة وعلاقتها بالأحزاب والانتقال إلى الانتخابات.
7. دورية The Sociological Quarterly، «الديمقراطية المباشرة بوصفها دعوة إلى المشاركة الاجتماعية في الأنظمة الهجينة: حالة الاحتجاجات التي يقودها الطلاب في صربيا»، 2026. تتناول دور الجمعيات العامة في التنظيم والمشاركة.
8. رويترز، «بعد هزيمة فوتشيتش، صربيا تنتظر معرفة كيف سيحكم القادة المدعومون من الطلاب»، 26 أكتوبر 2026. عن نتائج الانتخابات والتحديات السياسية والمؤسسية التي تواجه الحركة.



