انتهى المقال السابق إلى أن استعادة القدرة على التنظيم شرط أساسي لأي محاولة للخروج من الوضع القائم. لكن التنظيم في حد ذاته لا يحدد الطريق الذي سيسلكه الناس، ولا يوفر لهم بالضرورة فهمًا أفضل للواقع الذي يريدون تغييره. وهذه هي المساحة التي تحتلها المعرفة.
المعرفة المقصودة هنا ليست جمع المعلومات أو تراكم الدراسات والتقارير. قيمتها تبدأ من قدرتها على تفسير ما يحدث، وربط الوقائع المنفصلة ببعضها، وفهم الطريقة التي تعمل بها السلطة والسياسات والمؤسسات.
تناولت سلسلة «تفكيك الوضع» جانبًا من هذه المشكلة عند الحديث عن حجب المعلومات وصناعة المجهول. فغياب المعلومات لا يمنع الناس فقط من معرفة ما تفعله السلطة، وإنما يحد أيضًا من قدرتهم على فهم نتائج هذه السياسات ومناقشتها ومحاسبة المسؤولين عنها.
تظهر المشكلة في صور كثيرة. أرقام لا تنشر، وميزانيات يصعب الوصول إلى تفاصيلها، ومعلومات تحجب بدعوى الأمن القومي، وقرارات عامة لا نعرف الأساس الذي اتخذت عليه، ونصوص قانونية فضفاضة تترك مساحة واسعة للتفسير والتطبيق.
في هذه الظروف يصبح من الصعب معرفة حدود المسموح والممنوع، أو توقع الطريقة التي ستتصرف بها المؤسسات. وهذا الغموض له أثر سياسي مباشر. فالشخص الذي لا يعرف أين تقع الحدود يميل إلى الابتعاد عنها أكثر مما يلزم، ويتسع نطاق الرقابة الذاتية من دون حاجة إلى تدخل السلطة في كل مرة.
لهذا ترتبط المعرفة أيضًا بالخوف. جزء من قوة الخوف يأتي من عدم القدرة على تقدير المخاطر. عندما يعرف الناس ما حدث في حالات سابقة، وكيف استخدم قانون معين، وما حدود صلاحيات جهة ما، تصبح المخاطرة أوضح ويمكن التفكير في كيفية التعامل معها. أما المجهول فيدفع غالبًا إلى تجنب الفعل من أساسه.
ومن هنا تختلف المعرفة عن مجرد توثيق الانتهاكات. تسجيل ما حدث ضروري، لكنه يصبح أكثر فائدة عندما يسمح باكتشاف نمط. عشرات الوقائع المنفصلة قد تبدو استثناءات، لكن جمعها ودراستها يمكن أن يكشف طريقة مستقرة في استخدام قانون أو إجراء أو مؤسسة.
هذه إحدى الوظائف التي يمكن أن يؤديها التوثيق. الاحتفاظ بالأحكام والقرارات والقوانين والشهادات لا يحفظ الذاكرة فقط، وإنما يسمح بمقارنة الوقائع عبر الزمن، ومعرفة ما تغير وما استمر، وفهم العلاقة بين النص القانوني والطريقة التي يطبق بها.
وفي هذا المعنى تصبح المعرفة جزءًا من القدرة على الفعل. من يريد تغيير سياسة يحتاج أولًا إلى معرفة كيف تعمل، ومن يطالب بتعديل قانون يحتاج إلى معرفة كيف استخدم، ومن يريد بناء تنظيم يحتاج إلى معرفة القيود التي سيواجهها وتجارب من سبقوه.
لدينا في المقابل قدر هائل من المعرفة المتفرقة. صحفي يعرف جزءًا من القصة، ومحام يمتلك خبرة تراكمت من عشرات القضايا، وباحث جمع وثائق حول موضوع معين، ونقابي يعرف تاريخ المواجهات داخل مهنته، وأشخاص عاشوا وقائع لا توجد في أي أرشيف رسمي. المشكلة أن هذه المعرفة تظل في كثير من الأحيان منفصلة وموزعة بين أفراد ومؤسسات لا تربط بينها قنوات مستقرة.
وعندما تضيع هذه الخبرات أو تبقى محصورة داخل دوائر صغيرة، نبدأ في كل مرة تقريبًا من البداية. تتكرر الأسئلة نفسها، وتضيع تجارب سابقة، ويصبح من السهل تقديم إجراءات قديمة باعتبارها جديدة، أو إعادة إنتاج أخطاء سبق اختبارها.
لذلك فإن إنتاج المعرفة لا ينفصل عن إتاحتها. التقرير الذي لا يصل إليه أحد، والأرشيف المغلق، والوثيقة التي يعرف بوجودها عدد محدود من الباحثين، كلها معرفة محدودة الأثر مهما كانت جودتها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل غياب قانون فعال لتداول المعلومات، وصعوبة الوصول إلى أجزاء واسعة من الوثائق الرسمية. انتظار السلطة لكي تتيح ما تحتفظ به من معلومات لا يمكن أن يكون الطريق الوحيد. هناك مساحات أخرى يمكن العمل من خلالها: الصحافة، ومراكز الأبحاث، والمبادرات الحقوقية، والأرشيفات المستقلة، وشهادات المشاركين في الأحداث، وإتاحة الوثائق التي يمكن الوصول إليها.
هذا العمل لا ينتج «حقيقة بديلة» في مواجهة حقيقة رسمية. المطلوب هو توسيع قاعدة المعلومات التي يمكن فحصها ومقارنتها ونقدها. فالمشكلة في احتكار الرواية الرسمية لا تعالج ببناء رواية مغلقة أخرى، وإنما بإتاحة المصادر وإمكانية مراجعتها.
وهذه نقطة مهمة لأن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة المعرفة. المجال العام ممتلئ بالأخبار والتسريبات والشائعات والمعلومات المبتورة. وفي بعض الأحيان يصبح فائض المعلومات نفسه عائقًا أمام الفهم.
لذلك لا ينفصل الحق في المعرفة عن أدوات التحقق والنقد. معرفة مصدر المعلومة، والتمييز بين الوثيقة والرواية، ومقارنة المصادر، ووضع الواقعة في سياقها، كلها جزء من عملية إنتاج المعرفة.
كما أن المعرفة يمكن أن تساعد في تجاوز جزء من الانقسامات الموجودة داخل المجتمع. فالناس قد يختلفون في تفسير أسباب أزماتهم، لكن المعلومات الدقيقة عن الأجور أو توزيع الإنفاق أو أوضاع الخدمات أو تطبيق القوانين تتيح أرضية أكثر وضوحًا للنقاش حول المصالح المشتركة.
ولا يعني ذلك أن المعرفة ستنهي الخلاف السياسي أو الاجتماعي. الخلاف طبيعي، وبعض المصالح متعارضة بالفعل. لكنها تقلل المساحة التي يحتلها المجهول، وتسمح بأن يدور الخلاف حول وقائع وسياسات يمكن مناقشتها بدل أن يبقى أسير الصور المسبقة والخوف من الآخر.
لهذا أرى أن استعادة المعرفة جزء من البحث عن مخرج. التنظيم يوفر القدرة على العمل المشترك، والمعرفة تساعد هذا العمل على فهم المجال الذي يتحرك داخله. العلاقة بين الاثنين عملية جدًا: معرفة أفضل تسمح باختيارات أفضل، والتنظيم يسمح بتحويل هذه المعرفة من مادة للقراءة إلى قدرة على الفعل.
المشكلة التي نواجهها ليست نقص المعلومات فقط. هناك أيضًا ذاكرة مهددة بالضياع، وخبرات لا تنتقل بين الأجيال، ووثائق يصعب الوصول إليها، ومعرفة موزعة بين أفراد ومؤسسات لا تتصل ببعضها. جمع هذه الأجزاء وإتاحتها وتحليلها عمل سياسي بالمعنى الواسع للكلمة، لأنه يزيد قدرة المجتمع على فهم ما يجري حوله.
وقد لا تكون المعرفة في حد ذاتها كافية لتغيير الواقع. لكنها تجعل هذا الواقع أقل غموضًا، وتقلل قدرة أي سلطة على احتكار تفسيره. وهذه بداية ضرورية لأي فعل يريد أن يتجاوز مجرد رد الفعل.



