سجن الإعلام العالمي: الرواية الغائبة في ضجيج الحرب

Facebook
Twitter

 

الإعلام في لحظات الانفجار العسكري الراهنة يغادر مربعه الوظيفي كأداة لنقل الأحداث، ليصبح جزءاً عضوياً من منظومة الحرب ذاتها ومختبراً سياسياً يهدف إلى إعادة صياغة الحقائق وتثبيت موازين القوى القائمة. التغطية الإخبارية، في جوهرها، انحياز بنيوي يتشكل داخل أروقة المؤسسات المرتبطة بقوة بمراكز القرار السياسي والعسكري. يتجلى هذا بوضوح صارخ في العدوان الإسرائيلي الأمريكي الأخير على إيران، حيث تحولت كبريات المنصات الإعلامية الغربية إلى غرف عمليات، تسبق الصاروخ وتمهد له عبر عملية تلاعب ممنهجة ومدروسة لعقول الجماهير ووعيهم.

هذه العملية تسلب الضحية حقها في الدفاع عن سيادتها وتحول فعل العدوان السافر إلى إجراء تقني ضروري لضبط الاستقرار الإقليمي من منظور القوى المهيمنة. هذا التماهي الكامل بين الآلة العسكرية والآلة الإعلامية يهدف إلى خلق واقع افتراضي بديل يحل محل الواقع المادي، بحيث يصبح المشاهد أسيراً لسردية الطرف الأقوى الذي يمتلك وحده القدرة على تسمية الأشياء وتعريف المفاهيم وصياغة التاريخ في لحظة وقوعه، مانعاً أي تساؤل عن شرعية الفعل ذاته.

القوة الحقيقية في هذا الصراع تكمن في القدرة على تأطير الدمار ضمن سياق أخلاقي زائف؛ فالمنظومة الإعلامية المهيمنة تعتمد استراتيجية تهدف إلى شيطنة الخصم وتجريده من ملامحه الإنسانية قبل استهدافه، محولة إياه إلى كتلة صماء من التهديد الوجودي الذي يستوجب التحييد بأي ثمن.

الخطاب الذي رافق استهداف المنشآت الإيرانية غيّب مفهوم العدوان لصالح مفاهيم الردوالدفاع الاستباقي؛ وهي مصطلحات نُحتت بعناية فائقة داخل مراكز الأبحاث والدعاية المرتبطة بوزارات الدفاع الغربية لتمرير الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي كأنها ضرورات أمنية ملحة. الخبر الصحفي في زمن الحرب يتوقف عن كونه معلومة ليصبح سلاحاً نفسياً يهدف إلى زرع الشعور بالعجز والقبول بالهزيمة لدى الشعوب المستهدفة، وترسيخ فكرة أن الهيمنة الغربية وحلفاءها قدر محتوم لا يمكن الفكاك منه.

بنية الملكية والتمويل في المؤسسات الإعلامية الدولية تفرض رقابة ذاتية قاسية وانتقائية استراتيجية تجعل من الصورة أداة للحجب عوضاً عن الكشف؛ إذ يتم التركيز على استعراض التكنولوجيا الذكية والأسلحة المتطورة كأنها أدوات جراحية معقمة، بينما يتم طمس النتائج الإنسانية والبيئية والسيادية المترتبة على هذا الجنون العسكري.

هذه العملية الممنهجة لتغييب الضحية من المشهد الإعلامي تهدف إلى منع تشكل أي رأي عام عالمي يعارض سياسات القوة المفرطة. الفضاء الرقمي الذي بشّر بديمقراطية المعلومات سقط سريعاً في فخ الخوارزميات والسياسات المنحازة التي تحذف المحتوى المقاوم وتضخم السردية الاستعمارية، مما يضعنا أمام سجن إعلامي عالمي مغلق يعيد إنتاج قيم المركزية الغربية بأساليب تقنية حديثة، ويحول المأساة الإنسانية إلى مادة استهلاكية عابرة على الشاشات.

ادعاءات النزاهةوالتجردفي الخطاب الإعلامي السائد مجرد غطاء لتمرير سياسات القوة، حيث تمارس المؤسسات الإخبارية الكبرى دوراً محورياً في تبرير الانتهاكات الجسيمة للسيادة تحت ستار المهنية الزائفة. الإصرار على إبراز الرواية الرسمية للدول المتنفذة باعتبارها المرجع الوحيد والحصري للخبر، مع تعمد تجاهل وطمس سرديات الشعوب المعتدى عليها، يمثل جوهر الزيف في العمل الصحفي الراهن.

هذا التواطؤ يفرض حالة من التبعية الفكرية والسياسية، حيث يجد المتلقي نفسه مدفوعاً لتبني إطار ذهني يشيطن الخصم ويبرر المعتدي، مما يجعل الخبر المنقول صدى لمراكز اتخاذ القرار في العواصم الغربية وتل أبيب، بعيداً عن حقيقة المجريات الميدانية وتداعياتها الإنسانية.

التكرار الممل للمصطلحات الجاهزة، مثل الدفاع عن النفسأو ضمان الاستقرار الإقليمي، يعمل على تدجين الوعي العام وتجريده من قدرته الفطرية على التمييز بين الحق والباطل، ليصبح القتل الممنهج في طهران أو غزة مجرد حوادث تقنية عابرة تقع في سياق الإدارة الرشيدة للصراعاتبدلاً من كونها جرائم حرب موصوفة تستوجب المحاسبة والملاحقة الدولية.

الاعتماد شبه الكلي على مصادر المعلومات الموجهة يفرغ التغطية الصحفية من مضمونها الإنساني والسياسي الحقيقي، ويحولها إلى كتيبات دعائية وتسويقية تروج لمصالح القوى العظمى تحت شعارات براقة مثل الحرية والعدالة، وهو تناقض صارخ تفضحه الوقائع الميدانية التي تئن تحت وطأة الدمار المستمر والتهجير القسري والحصار الخانق.

خطورة هذا التزييف الممنهج تكمن في قدرته على محو التاريخ القريب والبعيد من ذاكرة الأجيال؛ فعندما يتم تقديم أحداث العدوان الإسرائيلي الأمريكي الأخير على إيران كأنها أفعال معزولة عن سياقها التاريخي الطويل من الهيمنة والنهب والتدخل السافر في شؤون المنطقة، نفقد القدرة على فهم جذور الصراع الحقيقية ودوافعه الجيوسياسية. غياب السياق التاريخي والسياسي أداة فعالة جداً في أيدي المؤسسات الإعلامية لتضليل الجماهير وتوجيه الرأي العام، حيث يتم عزل الحدث في فراغ زماني ومكاني ليمر دون أن يترك أثراً في الوعي الجمعي سوى الخوف من التهديدأو القبول بالواقع المفروض بقوة السلاح.

نحن أمام عملية مبرمجة لإنتاج المواطن المستهلكالذي يتلقى الأخبار كسلع تجارية جاهزة، دون تساؤل عن مصدرها أو الغاية من وراء نشرها بهذه الطريقة المشوهة والانتقائية. هذا النوع من الإسفاف الإعلامي وتسطيح الوعي يهدف إلى خلق حالة من الاستلاب المعرفي وفقدان القدرة على النقد والتحليل، حيث يغدو البحث عن الحقيقة فعلاً متعباً يتطلب جهداً ذهنياً يرفضه النمط المعيشي السائد الذي تفرضه ثقافة الاستهلاك والتبعية الرقمية واللهاث خلف الإثارة العابرة. الصمت الإعلامي المطبق عن الجرائم المرتكبة بحق الشعوب السيادية يمثل مشاركة فعلية ومباشرة في تلك الجرائم؛ لأن الإعلام الذي يغيب الضحية من المشهد يسلبها حقها في العدالة الدولية والتعاطف الإنساني، ويمنح المعتدي حصانة دائمة تسمح له بتكرار فعل العدوان في كل مرة، تحت غطاء الصمت الدولي والتواطؤ الإعلامي المريب.

الارتباط الوثيق بين القوة المالية والقرار الإعلامي يمثل العقدة الأهم في فهم طبيعة التزييف الذي نعيشه اليوم؛ فالخبر لم يعد منتجاً للبحث عن الحقيقة، بل صار مادة يتم تصنيعها داخل شركات كبرى تخضع لمصالح المساهمين وارتباطاتهم مع المجمعات الصناعية والعسكرية. هذه المؤسسات الإعلامية الضخمة، التي تمتد فروعها حول العالم، لا يمكنها أن تغرد خارج سرب السياسات التي تضمن تدفق أرباحها وحماية استثماراتها العابرة للحدود، مما يفسر التوافق المريب في سردياتها عند وقوع أي صدام سيادي بين القوى الكبرى ودول المنطقة. عندما نراقب كيف تم توظيف المليارات في الترويج للعدوان على إيران، ندرك أننا لسنا أمام وجهات نظر صحفية، بل أمام حملة علاقات عامة مدفوعة الأجر تهدف إلى حماية مصالح شركات السلاح والنفط والمؤسسات المصرفية التي ترى في أي محاولة للاستقلال الوطني تهديداً مباشراً لأرباحها.

هذه الشركات لا تكتفي بتمويل القنوات، بل تفرض من يظهر على الشاشة ومن يغيب عنها، وتحدد المفردات المسموح بها والمحرمة، مما يجعل الإعلامي موظفاً في منظومة إدارية تهدف لترويض عقول الشعوب وجعلها تتقبل نهب ثرواتها ومصادرة قرارها كأنه أمر طبيعي وحضاري.

تحويل المأساة الإنسانية والدمار الميداني إلى أرقام صماء ونسب مئوية في شريط الأخبار جزء من عملية تبريد الضمير العالمي؛ فالتركيز على الجوانب التقنية للصواريخ وفاعلية أنظمة الرصد يحول العدوان إلى عرض سينمائي مبهر يثير الإعجاب بالقوة، بدلاً من إثارة السخط على الجريمة. هذا النمط من التغطية يهدف إلى عزل المشاهد عن الواقع المادي للضحية، فيشعر المتلقي في العواصم البعيدة بأنه يتابع لعبة إلكترونية لا تترتب عليها أرواح محطمة وبيوت مدمرة وسيادة منتهكة.

الواقع أن السيطرة على الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي قد منحت هذه القوى أداة جديدة وخطيرة لمصادرة المستقبل، حيث يتم خنق كل صوت يحاول تقديم رواية بديلة أو كشف زيف الادعاءات الرسمية عبر سياسات الحجب والتقييد التي تمارسها شركات التكنولوجيا الكبرى المتحالفة مع أجهزة الاستخبارات الدولية. نحن نعيش في ظل نظام عالمي يسعى لتعليب الحقيقة وبيعها لنا عبر شاشات هواتفنا، مستخدماً في ذلك أحدث تقنيات الجذب البصري ليخفي خلفها بشاعة الأطماع الاستعمارية، وهو ما يستدعي وعياً مضاداً يرفض الاستهلاك السلبي للمعلومة ويبحث عما يقع خلف الكلمات والصور الموجهة، لندرك أن كل خبر نستهلكه مساهمة في صياغة إرادتنا وقبولنا بالواقع الذي يُرسم لنا في الغرف المغلقة بعيداً عن تطلعاتنا وحقوقنا المشروعة.

بناء البديل في ظل التشرذم الحالي والضغوط التي تعصف بالمنطقة ضرورة وجودية لحماية ما تبقى من سيادة وحقوق؛ فالاستسلام لفكرة استحالة التغيير هو الانتصار الأكبر الذي تحققه أدوات التضليل الدولية. خلق هذا البديل يبدأ من الإيمان بأن الحقيقة حق أصيل لكل إنسان، وليست هبة تمنحها المؤسسات المهيمنة، وهذا يتطلب العمل على مستويات متوازية تبدأ من الفرد وتصل إلى بناء شبكات ضغط وطنية مستقلة. استعادة السيادة على المعلومة مقدمة لا بد منها لاستعادة السيادة على الأرض والقرار السياسي؛ فالحرية تبدأ من تحرير العقل من أوهام التفوق الغربي، ومن الإدراك العميق بأن كتابة روايتنا الوطنية بأيدينا هي الضمانة الوحيدة لعدم ضياع حقوقنا في دهاليز الصفقات الدولية التي لا تقيم وزناً إلا للأقوياء. هذا المسار، رغم صعوبته وتعقيداته الداخلية، يظل السبيل الوحيد الممكن لكسر طوق التبعية وبناء مستقبل يليق بتضحيات الشعوب وتطلعاتها نحو الكرامة والعدالة والاستقلال التام.