عسكرة المعرفة: لماذا تخشى السلطة تخصصات العلوم الإنسانية؟

Facebook
Twitter

 

يُعيد الخطاب السياسي الراهن صياغة علاقة السلطة بالجامعة، مستنداً إلى رؤية تختزل العملية التعليمية في مواءمة قسرية مع تقديرات احتياجات سوق العمل“. هذا التوجه الذي يعبر عنه رئيس الجمهورية في أحاديثه المتواترة يكشف عن نزعة سلطوية تسعى لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن؛ حيث يتحول الطالب من صاحب حق أصيل في اختيار مساره المعرفي إلى مورد بشري يتم توجيهه وفقاً لتقديرات بيروقراطية تستند إلى الرغبة في التحكم في تدفقات العقول. ويمثل هذا المنحى نقطة افتراق جوهرية عن مفهوم الجامعة كفضاء للحريات الأكاديمية، ويدفع بنا نحو التخطيط المركزي للوعي، لتصبح المؤسسة الجامعية أداة لخدمة أهداف السلطة التنفيذية، بعيداً عن الدور التنويري أو النقدي المفترض لهذه المؤسسات في أي مسار وطني سليم.

إن هذا التوجه ليس مجرد استراتيجية تعليمية، إذ يمثل تفكيكاً وإعادة بناء لمفهوم المواطنة التعليمية؛ فعندما يركز الخطاب الرسمي على تصنيف العلوم إلى نافعوعبء، فإنه يمارس وصاية معنوية على العقل الجمعي، ويحاول توجيه خيارات الأفراد المستقبلية نحو قوالب جاهزة تخدم أهداف السلطة التنفيذية.

يفترض هذا المنطق أن الدولة تمتلك المعرفة المطلقة باحتياجات المستقبل، وهو افتراض يتصادم مع سيولة العصر وسرعة تحولاته؛ فالتخصصات التي تحظى بالرعاية اليوم قد تمسي قديمةغداً، بينما تظل المهارات النقدية التي توفرها العلوم الإنسانية العاصم الحقيقي من التبعية المعرفية.

وفي هذا السياق، تبدو المحاولات الراهنة لضبط مخرجات التعليم بالساعة والدقيقة وهماً إدارياًأثبت الواقع فشله؛ فتاريخ الجامعات لم يقم يوماً على التخطيط المركزي أو الأوامر الفوقية، إنما تأسس على استقلالية البحث والحق في الخطأ والابتكار.

إن الجامعة في جوهرها مؤسسة معرفية سابقة في وجودها على جهاز السلطة، وتعمل كمرآة كاشفة للواقع لا كأداة تنفيذية صامتة. وعندما تسعى السلطة لإخضاع الجامعة كلياً لمنطق الطلبوالتلبية، فهي لا تضعف استقلالية الفكر فحسب، بل تُقوض قدرة الدولة ذاتها على المدى الطويل؛ فالدولة التي تفتقر إلى مراكز بحثية مستقلة تمنحها رؤية نقدية، تحكم على نفسها بالجمود، وتفقد أدواتها في استشراف المستقبل.

تفتح هذه الرؤية باباً لتحليل الدور الذي تود السلطة أن تؤديه الجامعات؛ فالعلوم الإنسانية والاجتماعية تُصنف هنا كعبء اقتصادي، بينما تعلن السلطة عبر خطابها عن رغبتها في إدارة مجتمع من التقنيين الذين يفتقرون إلى الرؤية النقدية. القيمة المضافة لخريج هذه التخصصات لا تقاس بمدى سرعة حصوله على وظيفة في قطاع صناعي معين، بل بقدرته على تفكيك قضايا مجتمعه، والمساهمة في البناء الثقافي الذي يمنح المجتمع حصانته الأخلاقية.

كل محاولة لتقليص هذه المساحات المعرفية تمثل محاولة لنزع الضمير من جسد الدولة، وإضعافاً لقدرة المجتمع على فهم ذاته ومواجهة أزماته بعيداً عن الحلول الإدارية الجافة. إن غياب الفيلسوف والمؤرخ وعالم الاجتماع عن المشهد العام ليس خسارة اقتصادية، بل هو إضعاف للقدرة على التغيير الحضاري.

إن هذا التوجه يعكس رغبة في فرض منطق الإدارةعلى المعرفة، وهو ما يظهر في التذرع الدائم بتكدس الخريجين للهروب من مواجهة التحديات الحقيقية في خلق بيئة اقتصادية منتجة؛ فبدلاً من تطوير القطاعات الصناعية والخدمية لاستيعاب الطاقات البشرية، يتركز الخطاب حول تقليص الخيارات أمام الطلاب.

هذا النهج يغفل أن الابتكار الحقيقي لا يأتي من مجرد تلبية الطلب الحالي، بل من خلق آفاق جديدة لا تدركها الرؤى البيروقراطية التي تنظر دائماً تحت أقدامها. وتنعكس هذه الرؤية السلطوية كضغط معنوي على المؤسسات الجامعية، حيث يوظف الخطاب السياسي كأداة لتحديد اتجاهات النشاط العام وفق رؤية فوقية، وتكرار هذه التوجهات يخلق مناخاً يدفع نحو تراجع الحريات الأكاديمية لحساب الولاء للرؤية الرسمية.

تكشف هذه الظاهرة في النهاية عن تغير في تصور الدولة المصرية لدورها؛ حيث تتطلع الإدارة للتحكم في حق الاختيار الفردي. إن استقرار المجتمع يتحقق بوجود عقول حرة وقادرة على التفكير في أزمات وطنها دون أن تكون مقيدة بتوجيهات تعيد صياغة الوعي وفقاً لرغبات السلطة. فالجامعة يجب أن تظل مشاعاً معرفياً، واستقلالها هو الضمانة الوحيدة لنهضة وطنية لا تقف عند حدود توظيف العمالة، بل تمتد لبناء الإنسان. إننا أمام رؤية تعيد صياغة العقد الاجتماعي من طرف واحد، بتقييد طموح المواطن وفقاً لتقديرات تفتقر إلى الرؤية التي تؤهلها للتحكم في مستقبل المعرفة. إن محاولة قولبة المعرفة داخل أطر وظيفية لا تؤدي إلا إلى خلق مجتمع هش يفتقر إلى الرؤية المستقلة، مجتمع يتحول فيه التعليم إلى عملية تدجين بدلاً من كونه عملية تحرر. إن الدرس الذي يجب أن تتعلمه السلطة هو أن قوة الأمم لا تقاس بعدد الفنيين الذين ينتجون بضائع، بل بقدرة أبنائها على التفكير الحر، وإنتاج الأفكار التي تغير وجه التاريخ.

إن التعليم الجامعي ليس مجرد سلعةتباع وتشترى في سوق العمل، بل هو الضمانة الأخيرة لبقاء العقل المصري حياً وقادراً على الإبداع. وأي محاولة لتحويل الجامعات إلى مراكز تدريب مهني مكثفة لن تؤدي إلا إلى إفقار العقل الجمعي وترك المجتمع عارياً أمام تحديات المستقبل.

إن معركة الاستقلال الجامعي هي اليوم معركة من أجل بقاء الهوية الفكرية المصرية في وجه طوفان التسطيح، وهي معركة لا يمكن كسبها إلا بالتمسك بالقيم الأكاديمية العليا التي تعتبر المعرفة حقاً إنسانياً أصيلاً لا ينبغي أن يخضع لأي سلطة غير سلطة العقل والحقيقة.

وفي نهاية المطاف، فإن الدولة التي لا تحترم حرية جامعاتها هي دولة تحرم أجيالها من فرصة المشاركة الحقيقية في الحضارة الإنسانية.

إننا لا ندعو إلى الانعزال عن واقع السوق، بل ندعو إلى تكامله مع قيم المعرفة التي تجعل من العمل قيمة إنسانية لا مجرد أداة للبقاء. وهذه هي الرسالة التي يجب أن تعيها السلطة، وهي أن استقرار الوطن يبدأ من احترام حق العقل في التفكير، وحق الجامعة في أن تكون ضميراً للأمة، لا خادماً لأهداف سياسية مؤقتة، فالمعرفة التي تُصادر اليوم، هي المستقبل الذي نخسره غداً.