عسكرة المعرفة: لماذا تخشى السلطة تخصصات العلوم الإنسانية؟

Facebook
Twitter

 

يتكرر في الخطاب الرسمي خلال السنوات الأخيرة الحديث عن ضرورة ربط التعليم الجامعي باحتياجات سوق العمل، وعن وجود تخصصات يتخرج فيها أعداد أكبر مما يحتاجه السوق، في مقابل تخصصات أخرى تحتاج إليها الدولة. وظهر هذا التصور أكثر من مرة في أحاديث رئيس الجمهورية عن التعليم واختيار الطلاب لتخصصاتهم.

المشكلة ليست في التفكير في فرص العمل المتاحة للخريجين. من الطبيعي أن تكون العلاقة بين التعليم والعمل جزءًا من أي سياسة تعليمية. المشكلة تبدأ عندما تتحول احتياجات السوق، كما تحددها السلطة في لحظة معينة، إلى المعيار الأساسي لتحديد قيمة التخصصات والاختيارات المتاحة للطلاب.

هذا التصور ينظر إلى الطالب باعتباره موردًا بشريًا ينبغي توجيهه إلى المكان الذي تحتاج إليه سوق العمل، وينظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة لإنتاج الخريجين وفق احتياجات الاقتصاد. ومع اتساع هذا المنطق تتراجع وظائف أخرى للجامعة تتعلق بإنتاج المعرفة والبحث والنقد، كما تتراجع مساحة اختيار الطالب نفسه لمساره الدراسي.

ويفترض هذا التوجه أيضًا إمكانية معرفة احتياجات سوق العمل لسنوات قادمة بدرجة تسمح ببناء السياسة التعليمية عليها. وهو افتراض يصعب الاطمئنان إليه في اقتصاد يتغير بسرعة، وفي ظل تحولات تكنولوجية تستطيع خلال سنوات قليلة أن تغير الطلب على تخصصات ومهارات كاملة.

كما أن مشكلة البطالة بين الخريجين لا يمكن تفسيرها فقط باختيارات الطلاب. سوق العمل نفسه نتاج للسياسات الاقتصادية، وحجم القطاعات المنتجة، ومستوى الاستثمار، وطبيعة الوظائف التي يستطيع الاقتصاد خلقها. التركيز على أعداد خريجي تخصص معين يمكن أن يخفي جزءًا آخر من المشكلة يتعلق بقدرة الاقتصاد نفسه على إنتاج فرص عمل مناسبة.

وتظهر خطورة هذا التصور بصورة أكبر عند الحديث عن العلوم الإنسانية والاجتماعية. قياس قيمة هذه التخصصات بعدد الوظائف المباشرة المتاحة لخريجيها يجعل فائدتها مرتبطة بعائد اقتصادي سريع، رغم أن جزءًا أساسيًا من وظيفتها يتعلق بفهم المجتمع وتاريخه وتحولاته.

التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم السياسية وغيرها لا تنتج بالضرورة مسارًا وظيفيًا مباشرًا بالمعنى نفسه الذي قد ينتجه تخصص تقني. لكنها تنتج معرفة يحتاج إليها المجتمع لفهم نفسه، وتساعد في دراسة المشكلات العامة وتحليل السياسات، كما توفر أدوات للنقد والبحث لا يمكن اختزالها في احتياجات وظيفة بعينها.

ولا يعني ذلك وجود تعارض بين التعليم الجامعي وسوق العمل. الجامعة لا تعمل في فراغ، ومن الضروري أن تعرف التحولات الاقتصادية والتكنولوجية وأن تطور برامجها في ضوئها. لكن وجود علاقة بين الجامعة والسوق يختلف عن إخضاع الأولى بالكامل لاحتياجات الثاني.

السوق نفسه لا يملك احتياجات ثابتة. بعض المهن تختفي، وأخرى تظهر، والتكنولوجيا تغير طبيعة العمل باستمرار. لهذا تصبح قدرة الخريج على التعلم والتحليل والتكيف مع التغير أكثر أهمية من تدريبه على وظيفة قد تتغير شروطها بعد سنوات قليلة.

المسألة تتصل أيضًا باستقلال الجامعة. تحديد أولويات البحث والتدريس من أعلى، وربط قيمة التخصصات بتقديرات الأجهزة التنفيذية لاحتياجات السوق، يمنح السلطة التنفيذية دورًا متزايدًا في تحديد ما يستحق أن يدرس وما ينبغي تقليصه.

وهذا الدور لا يمكن فصله عن وضع الجامعات المصرية خلال السنوات الماضية. استقلال الجامعة لا يتعلق فقط بطريقة اختيار القيادات أو بحرية أعضاء هيئة التدريس. يتعلق أيضًا بقدرتها على تحديد أولوياتها العلمية والبحثية، وبمساحة الحرية المتاحة للباحث والطالب في اختيار موضوعاتهما واتجاهاتهما.

لهذا فإن النقاش حول التخصصات الجامعية أكبر من مسألة توزيع الطلاب على الكليات. هو نقاش حول وظيفة الجامعة نفسها: هل وظيفتها الأساسية تزويد سوق العمل بما يحتاج إليه من خريجين، أم أنها مؤسسة لها وظائف أخرى في إنتاج المعرفة والبحث وتكوين القدرة على التفكير؟

يمكن الجمع بين الوظيفتين، وهو ما يحدث بالفعل في تجارب جامعية كثيرة. لكن هذا يحتاج إلى جامعات قادرة على اتخاذ قراراتها، وإلى سياسات اقتصادية تخلق فرص عمل، وإلى معلومات حقيقية عن تحولات السوق، وإلى ترك مساحة للطلاب لاختيار مساراتهم بدل التعامل معهم باعتبارهم أعدادًا ينبغي إعادة توزيعها.

كما يحتاج النقاش إلى التمييز بين التعليم الجامعي والتدريب المهني. كلاهما ضروري، لكن محاولة حل مشكلات سوق العمل بتحويل الجامعة تدريجيًا إلى مؤسسة تدريب مهني تضعف وظيفة الجامعة من دون أن تحل بالضرورة مشكلة البطالة.

السؤال الأساسي يتعلق في النهاية بالحدود التي ينبغي أن تقف عندها السلطة التنفيذية في إدارة المعرفة. من حق الحكومة أن تضع سياسات للتعليم وتموله وتخطط لاحتياجات القطاعات المختلفة، لكن الجامعة تحتاج في الوقت نفسه إلى مساحة من الاستقلال تسمح لها بإنتاج معرفة قد لا تكون فائدتها المباشرة واضحة في اللحظة التي تنتج فيها.

جزء كبير من قيمة المعرفة يأتي من أنها لا تخضع بالكامل للاحتياجات الآنية. البحث الذي يبدو بعيدًا عن متطلبات السوق اليوم قد يصبح مهمًا بعد سنوات، والتخصص الذي لا ينتج آلاف الوظائف قد يظل ضروريًا لفهم المجتمع الذي نحاول تطويره.

ربط التعليم بالعمل مسألة ضرورية. اختزال التعليم في العمل مسألة مختلفة. والفرق بينهما يحدد إلى حد كبير ما إذا كنا نتعامل مع الجامعة باعتبارها مركزًا لإنتاج المعرفة، أم باعتبارها مجرد محطة لإعداد العمالة.