حين يُطرح سؤال المخرج اليوم، لا يُطرح بوصفه أفقًا مفتوحًا أو وعدًا قريبًا، بل كصيغة ثقيلة محمّلة بتاريخ من المحاولات المجهَضة، والخسارات غير المُستوعَبة، والتجارب التي انتهت قبل أن تكتمل. السؤال نفسه صار جزءًا من المأزق، لأن كل حديث عن الفعل الجماعي يستدعي فورًا ذاكرة قريبة تقول إن هذا الطريق جُرِّب من قبل، ودُفع ثمنه، وانتهى إمّا إلى قمع مباشر أو إلى تفكك داخلي أو إلى إعادة إنتاج العجز في صورة جديدة. في قلب هذا التردد يقف التنظيم، لا كفكرة مجرّدة، بل كخبرة معيشة ثقيلة، محاطة بالحذر والشك والإنهاك، وهي خبرة تستند في جوهرها إلى ما فككناه سابقاً حول “اقتصاد الخوف” الذي جعل من الانسحاب الفردي استراتيجية نجاة وحيدة.
أزمة التنظيم في مصر لا يمكن قراءتها بوصفها نتاج سنوات القمع الأخيرة فقط، ولا كحالة طارئة فرضتها لحظة سياسية بعينها. هي أزمة تشكّلت عبر مراحل زمنية متعاقبة، ولكل مرحلة فيها منطقها الخاص وكلفتها المتراكمة. في مرحلة ما قبل 2011، كان التنظيم حاضرًا وإن كان محاصرًا. الأحزاب ضعيفة، النقابات مُقيّدة، والجمعيات تعمل تحت رقابة خانقة، لكن فكرة التنظيم نفسها لم تكن موضع شك جذري. كان واضحًا، حتى لدى من يختلفون حول جدواه، أن المشكلة الأساسية في السلطة وحدودها، لا في الفعل الجماعي من حيث المبدأ. التنظيم كان يُرى كأداة ضرورية، حتى لو كانت إمكانياتها محدودة ومخرجاتها متواضعة.
جاءت لحظة 2011 فغيّرت المعادلة على نحو جذري. فجأة انفجر الفعل الجماعي خارج الأطر التقليدية، وتكشّف حجم طاقة لم تكن مرئية من قبل. لكن هذه اللحظة، على قوتها، حملت تناقضًا بنيويًا: فعل واسع بلا بنية تنظيمية سابقة قادرة على استيعابه. التنظيم لم يسبق اللحظة، بل حاول أن يلحق بها. ظهرت تحالفات ولجان وكيانات ومبادرات، لكنها وُلدت تحت ضغط الزمن، ومن دون فرصة للتعلّم البطيء أو بناء الثقة أو ترسيخ قواعد الاستمرار. حين بدأت موجة القمع التالية، لم تكن هذه البنى قد اشتدّ عودها، فتحولت الهزيمة من خسارة سياسية إلى صدمة تنظيمية عميقة.
ما تلا ذلك لم يكن مجرد عودة إلى ما قبل 2011، بل تغيّر نوعي في علاقة المجتمع بفكرة التنظيم نفسها. القمع لم يستهدف الكيانات فقط، بل استهدف التجربة ذاتها. التنظيم لم يعد يُقدَّم بوصفه حقًا طبيعيًا أو أداة مشروعة، بل بوصفه مخاطرة غير محسوبة، أو تهورًا سياسيًا، أو عبئًا أخلاقيًا يُلقي بثمنه على الآخرين. مع كل تجربة فاشلة، لم تكن الخسارة تُقاس فقط بعدد المعتقلين أو الكيانات المحظورة، بل أيضًا بتآكل الثقة في الفعل الجماعي ذاته. هكذا بدأ التنظيم يفقد شرعيته الاجتماعية تدريجيًا، لا بقرار رسمي، بل بتراكم الخيبات.
في هذه اللحظة المفصلية، لم يختفِ الفعل، لكنه أعاد تموضعه. ظهرت مبادرات قصيرة العمر، حملات تضامن محدودة، مشروعات معرفة وتوثيق، وأشكال فعل حذرة تعمل في مساحات ضيقة. كثير من هذه التجارب كان صادقًا، وبذل فيه أصحابه جهدًا حقيقيًا، لكنه كان يُخاض دائمًا كأنه تجربة منفصلة، بلا امتداد زمني واضح، وبلا آلية تنقل ما تعلّمته إلى غيرها. التجربة التي تنتهي لا تترك خلفها ذاكرة قابلة للبناء، بل إحساسًا إضافيًا بالاستنزاف، وكأن كل محاولة جديدة تبدأ من الصفر.
هنا يتشكّل جوهر أزمة التنظيم كما نعيشها اليوم: ليست أزمة غياب الفعل، بل أزمة الاستمرارية. المجتمع لا يبدو صامتًا، بل متحركًا في صور مجزأة. أفعال تظهر وتختفي، غضب يتفجّر ثم يهدأ، قضايا تشغل المجال أيامًا أو أسابيع ثم تُنسى. ما ينقص هذه الحركة ليس الشجاعة ولا الذكاء، بل القدرة على أن ترى نفسها كجزء من مسار أطول. التنظيم، في أبسط معانيه، هو ما يسمح للتجربة ألا تموت وحدها، وللهزيمة ألا تكون نهاية مطلقة، ولللخطأ أن يتحول إلى درس لا إلى وصمة.
السلطة، في المقابل، تعلّمت إدارة هذا الوضع. لم تعد تعتمد فقط على القمع المباشر، بل على إدارة الزمن الاجتماعي نفسه. ترك التجارب تستنزف ذاتها، وتشجيع التفتت، وإعادة إنتاج الخوف في صورة عقلانية. قوانين تُضيّق، خطاب عام يُخوّف، ومناخ يكافئ الانسحاب الفردي ويقدّمه بوصفه حكمة. في هذا السياق، تتحول النجاة الفردية من خيار اضطراري إلى منطق عام يحكم السلوك، لا لأنه أسمى أخلاقيًا، بل لأنه أقل كلفة على المدى القصير.
لكن هذه العقلانية تحمل ثمنًا باهظًا. غياب التنظيم لا يقلل الخطر، بل يضاعفه. الفرد المعزول أكثر هشاشة، والتجربة المنفصلة أسهل سحقًا، والمبادرة التي لا تجد من يحملها بعدها مصيرها الاختفاء. ما يُقدَّم بوصفه واقعية يتحول، مع الوقت، إلى إعادة إنتاج للعجز. ليس لأن الناس اختاروا ذلك بحرية كاملة، بل لأن البنية القائمة لا تتيح بديلًا قابلًا للحياة.
في هذا السياق تحديدًا، تحوّل التنظيم من حق جماعي إلى عبء أخلاقي في الوعي العام. لم يعد السؤال: هل التنظيم ممكن؟ بل: هل التنظيم مسؤول؟ هل من العدل أن تطلب من الناس أن يتحملوا كلفة فعل جماعي قد يدمّر حياتهم أو حياة غيرهم؟ هذا السؤال، رغم إنسانيته الظاهرة، يعكس مدى عمق هذا التغيّر. التنظيم لم يعد يُرفض سياسيًا فقط، بل يُتحفّظ عليه أخلاقيًا، وكأن الفعل الجماعي صار ذنبًا محتملًا يجب الاعتذار عنه مسبقًا. هكذا تُنقل كلفة القمع من السلطة إلى المجتمع، ومن البنية إلى الأفراد.
من هنا يصبح التنظيم مسألة عملية تمسّ شروط بقاء الفعل نفسه، لا فكرة رومانسية ولا حنينًا إلى الماضي. التنظيم لا يعني بالضرورة حزبًا أو كيانًا قانونيًا أو هيكلًا مركزيًا. في السياق الحالي، هو بالضرورة هش، محدود، وربما غير مرئي بالكامل. لكنه يظل تنظيمًا حين ينجح في أداء وظائف أساسية: الربط بين التجارب، حفظ الذاكرة، نقل الخبرة، وتخفيف الكلفة عن الأفراد. التنظيم، بهذا المعنى، ليس وعدًا بالنصر، بل حماية من التبدد.
البحث عن مخرج لا يمكن أن يتجاوز هذه الحقيقة. المخرج ليس قفزة، ولا لحظة انفجار جديدة، ولا فكرة ذكية تُضاف إلى أرشيف الأفكار المهزومة. هو، في أحد مستوياته الأساسية، إعادة بناء القدرة على الاستمرار عبر الزمن. من دون تنظيم، سيظل الغضب يتكرر من دون أثر، وستظل المعرفة تتراكم من دون قوة، وسيظل الفعل يُستهلك في لحظته. ومن دون مواجهة أزمة التنظيم بوصفها أزمة زمن ومسار، لا أزمة شجاعة أو وعي، سيبقى الحديث عن المخارج أقرب إلى تسمية العجز منه إلى محاولة تجاوزه.
هذا النص لا يقدّم حلًا، ولا يدّعي أن استعادة التنظيم ممكنة بسهولة أو بلا ثمن. لكنه يضع التنظيم في مكانه الحقيقي داخل السؤال: ليس كغاية نهائية، بل كشرط لا يمكن القفز فوقه. وإذا كان التنظيم هو الوعاء الذي يحفظ التجربة من التلاشي، فإن السؤال الذي يواجهنا هو: ما الذي نضعه داخل هذا الوعاء لكي يكتسب الفعل معناه؟ وكيف تتحول المعرفة، في ظل “المجهول المصنوع” وسياسات التجهيل، إلى وقود لهذا المسار؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في المقال القادم حول المعرفة بوصفها فعل تحرر.



