إذا كان المقال السابق قد انتهى بنا إلى ضرورة استعادة التنظيم بوصفه “وعاء البقاء” وشرط الاستمرار الذي لا يمكن القفز فوقه، فإننا نجد أنفسنا أمام سؤال أكثر إلحاحاً وعمقاً: بأي مادة حيوية سنملأ هذا الوعاء؟ وما هي البوصلة التي ستمنع هذا الفعل الجماعي من أن يتحول إلى مجرد ارتطام عشوائي بجدران السلطة الصماء؟
تكمن الإجابة، برغم بساطتها الظاهرية، في “المعرفة“؛ لا بوصفها ترفاً أكاديمياً أو جمعاً بارداً للمعلومات في أرشيفات مغلقة، بل بوصفها “فعل تحرر” وممارسة إجرائية مقاومة في زمن يُدار فيه المجتمع عبر سياسة منظمة لإنتاج الجهل. ففي سلسلة “التفكيك” السابقة، حللنا كيف تحولت المعلومة من حق طبيعي ودستوري إلى “سر سيادي“، وكيف أصبحت صناعة المجهول أداة مركزية للسيطرة؛ ومن هنا يصبح استرداد المعرفة هو الخطوة الأولى واللازمة لكسر الحصار الفكري والنفسي الذي استوطن وعينا قبل أن يستوطن واقعنا السياسي.
إننا نعيش في طور من أطوار السلطة لا يكتفي بمنع الوصول إلى المعلومة أو فرض الرقابة التقليدية، بل يعمد إلى ما يمكن تسميته “هندسة العماء السياسي الشامل“. هذا العماء ليس نتاج صدفة إدارية، بل هو استراتيجية حكم مدروسة تهدف إلى إبقاء الفرد والمجتمع في حالة ارتباك وجودي، عاجزين عن رصد الأنماط المتكررة في سلوك السلطة أو فهم موازين القوى الحقيقية. فعندما يغيب الرقم الإحصائي الشفاف، وتُحجب ميزانيات المؤسسات العامة وشركات الدولة وراء ستار “الأمن القومي“، ويتحول “القانون” نفسه إلى نص مطاط وغامض يُفسر في الغرف الأمنية، يصبح المجتمع بلا ذاكرة وبلا قدرة على التوقع.
ويعد هذا التيه المتعمد هو المحرك الفعلي لما أسميناه سابقاً “اقتصاد الخوف“؛ فالخوف في جوهره هو “ابن المجهول“، وحين يجهل المواطن حدود المخاطرة الحقيقية ويغيب عنه اليقين بشأن المباح والمحظور، فإنه يميل لا إرادياً إلى اختيار الانسحاب والصمت، بوصفهما استراتيجية النجاة الوحيدة في غابة من الأسلاك الشائكة غير المرئية.
إن البحث عن مخرج حقيقي يبدأ بتحويل المعرفة من “رصد سلبي للمظالم” إلى “أداة لامتلاك الواقع“. فالمعرفة المقاوِمة هي التي ترفض الاكتفاء بدور الضحية التي تصرخ لتعلن عن ألمها، لتلعب دور الفاعل الذي يشرح المنظومة ويفهم تروسها ويتنبأ بمساراتها. التوثيق في هذا السياق ليس مجرد تسجيل تاريخي، بل هو بناء صلب لـ “سردية بديلة” تشتبك مباشرة وبشراسة مع زيف الأحكام القضائية والحقائق المصنوعة في محاضر التحريات.
عندما ننجح في توثيق نمط معين في إدارة الشأن العام، أو نكشف آليات هندسة القوانين الاستثنائية، فنحن ننتزع من السلطة أهم أسلحتها على الإطلاق: احتكار تعريف “الحقيقة” وفرض منطق “الواقع البديل“. فالمعرفة هنا هي التي تمنع السلطة من إعادة كتابة التاريخ بينما لا يزال يحدث أمام أعيننا.
إن أزمة الفعل الجماعي التي تضرب مجتمعنا مرتبطة بنيوياً بتفتت المعرفة وتجزئتها المتعمدة. نحن نعيش في مجتمع يمتلك آلاف الحكايات الفردية الصادقة عن الظلم، لكنه يفتقر إلى “المعرفة التشابكية” التي تربط هذه الخيوط ببعضها لتكشف البنية الكلية للسلطة. التنظيم الذي نسعى لاستعادته يحتاج إلى هذه المعرفة كحاجة الجسد إلى البصر؛ يحتاجها ليعرف أين يضع قدمه في حقل الألغام القانوني والسياسي، وكيف يحمي أفراده من السقوط في أفخاخ التخبط. فالمعرفة هي التي تحول “الخطر الداهم” المجهول إلى “مخاطرة محسوبة” يمكن التعامل معها بالصبر والمناورة، وهي التي تمنح الأفراد شعوراً بأنهم يستندون إلى أرض صلبة من الحقائق. وبدونها، يتحول التنظيم إلى مجرد ردود أفعال عاطفية تنتهي دائماً بالإحباط.
فضلاً عن ذلك، تلعب المعرفة دوراً حاسماً في “ترميم الرابط الاجتماعي” الذي مزقته سياسات صناعة الأعداء والفرز السياسي. السلطة تنجح في تحويل المواطنين إلى أطراف متناحرة لأنها تزرع الجهل بالآخر، وتجعل من كل “مختلف” تهديداً مجهولاً. واستعادة المعلومات وتداولها بشفافية هو الكفيل الوحيد بكسر هذه العزلة؛ فعندما يدرك الناس حجم اشتراكهم في المعاناة من ذات السياسات، تبدأ ملامح “المصلحة المشتركة” في الظهور من خلف غبار الاستقطاب. هنا تتحول المعرفة إلى “مشاع مجتمعي” يطرد الفاشية اليومية، ويحل محلها لغة العقل والمصالح التي توحد الناس حول قضاياهم الملموسة.
إن المخرج المعرفي الذي نطرحه لا يعني انتظار صدور “قانون لتداول المعلومات” أو استجداء الشفافية من سلطة ترى في الحقيقة تهديداً وجودياً، بل يعني خلق “مسارات بديلة وموازية” لإنتاج الحقيقة. الصحافة المستقلة، ومراكز الأبحاث المشتبكة مع الواقع، والمبادرات الحقوقية التي توثق الانتهاك، كلها روافد تصب في مجرى هذا المخرج. فالمعرفة لا تُستعاد فقط عبر المؤسسات، بل عبر كل مساحة تُنتزع من منطق الاحتكار، سواء في كتاب متاح أو نقاش مفتوح. إنها عملية “تأميم اجتماعي للمعرفة” وإخراج الحقيقة من الأقبية السيادية لتصبح ملكاً مشاعاً لمن يدفعون يومياً ثمن غيابها. فالمعرفة هي السلاح الوحيد الذي لا يمكن مصادرته، لأنها بمجرد أن تُنتج وتُتداول، تصبح جزءاً من الوعي الجمعي العصي على الحصار.
بيد أن إنتاج هذه المعرفة يواجه تحدياً آخر، وهو “تلوث الحقيقة“. فالسلطة لا تكتفي بالمنع، بل تضخ كميات هائلة من المعلومات المضللة لتغرق الحقيقة في بحر من الأكاذيب. هنا تصبح المعرفة كفعل تحرر هي القدرة على “الفرز” و“النقد” و“التحقق“. المخرج إذن ليس فقط في الحصول على المعلومة، بل في امتلاك المنهج الذي يسمح بتمييز اليقين من الإشاعة. فالسياسة في جوهرها صراع على “المعنى“، ومن يملك القدرة على صياغته بناءً على معرفة صلبة، يملك القدرة على قيادة التغيير.
في الختام، إذا كان التنظيم هو “الجسد” الصلب، فإن المعرفة هي “العين” البصيرة التي ترسم الطريق. وبدون هذا الوعي المعرفي المسلح بالتوثيق، سيظل الفعل الجماعي انفعالياً وسهلاً للاحتواء. إن استعادة الحق في المعرفة هي معركة سياسية وقانونية وأخلاقية كبرى، وهي الجسر الوحيد للعبور من حالة “التيه في المجهول” إلى حالة “الاشتباك الواعي” مع شروط واقعنا.
ولكن، يظل السؤال الكبير قائماً: هل تكفي المعرفة وحدها لجمع شتات مجتمع أُنهك بالانقسام؟ هذا ما سيحاول مقالنا القادم الاشتباك معه حين نتحدث عن ضرورة “ترميم المشترك الاجتماعي” كخطوة وجدانية وسياسية لا غنى عنها في رحلة البحث الطويلة عن مخرج.



