تتجاوز الغربة مجرد فكرة عبور الحدود الجغرافية، لتستقر في جوهر النصوص التشريعية التي تعيد تعريف المواطن كعنصر طارئ أو غير مرغوب فيه ضمن مجاله الحيوي. إن “شرعية العزل” تمثل حضوراً طاغياً لآليات قانونية صممت خصيصاً لانتزاع الحماية عن فئات بعينها، محولةً إياهم إلى مقيمين بلا حقوق، وذوات مفتقرة للأهلية الإجرائية. في هذا الفضاء، يتخلى النص عن دوره التقليدي كأداة للوصل الاجتماعي، ليتحول إلى تقنية لإنتاج الغريب إجرائياً؛ ذلك الكائن الذي يحمل أوراقاً ثبوتية تمنحه الالتزامات وتسقط عنه الضمانات في آن واحد. هذا الاغتراب القانوني يعد نتيجة بنيوية لنصوص تسبق الواقع في انتقاء ضحاياها، وتؤسس لنفيهم قبل وقوع الفعل.
تتجلى عبقرية شرعية العزل في قدرتها على استبدال الأفعال المؤثمة المحددة بحالات شعورية أو أوصاف فضفاضة؛ حيث يتجاوز النص عبء إثبات الفعل الجرمي لينشغل بما يمثله وجود الفرد من قلق للسلطة. تبرز هنا مصطلحات “قيم الأسرة“، أو “الأمن القومي“، و“التحريض“، بصفتها أدوات لفرز الناس وتصنيفهم وراء قناع التعريفات القانونية المنضبطة. تمنح هذه السيولة اللغوية السلطة تفويضاً مفتوحاً لنفي صفة المواطنة عن أي سلوك يخرج عن المتخيل الرسمي، ما يحيل الفرد إلى جسم غريب داخل بنية وضعت أصلاً لحمايته. ويمتد هذا الفرز ليطال الدوائر الشخصية والمهنية؛ فيجد العامل نفسه معزولاً عن تنظيمه النقابي المستقل بقوة النصوص التي تدمج العمل النقابي في كينونة الدولة، وتواجه المرأة أو أصحاب المعتقدات المغايرة حصاراً بتعريفات للفضيلة أو النظام العام تهدف لإقصاء كل من يحيد عن النمط المعتمد. اللغة هنا تتجاوز تنظيم المجال العام نحو فرضه وتفريغه من أصحابه، معيدة تقديمهم كعناصر طارئة تستباح حقوقهم تحت لافتة الحفاظ على بنيان يفتقرون فيه لشرط الوجود.
يمتد هذا النهج ليشمل محاصرة المعرفة وتأميم الذاكرة؛ حيث يتدخل النص ليحدد ما يجوز تذكره وما يجب محوه. حين تجرم القوانين الحديثة البحث في التاريخ القريب، أو تضع قيوداً تعجيزية على تداول المعلومات بدعوى الأمن، فهي تمنع المواطن من امتلاك مرجعياته التاريخية. الغريب هنا هو من لا يملك الحق في رواية قصته أمام نص يحتكر الرواية الرسمية. هذا الحجب للمعلومة يحول المجتمع إلى كتلة من المعزولين عن وعيهم؛ أفراد يعيشون في حاضر مقطوع الصلة بجذوره، محكومين بقوانين لا يعرفون كيف وضعت، ولصالح من تنفذ. كما تكتمل هذه الغربة عبر الرقابة الرقمية التي تحول المواطن إلى رقم مراقب، يعزل عن فضاء التعبير بمجرد قرار إداري يراه تهديداً. الغربة هنا تكتمل حين يصبح المواطن أجنبياً عن تاريخه الشخصي والجمعي، عاجزاً عن فهم آليات استبعاده لأن اللغة السيادية احتكرت الحقيقة ووصمت كل رواية مغايرة بالخروج عن الصف.
ولا يكتفي هذا المسار بمحاصرة الوعي، بل يمتد لتمزيق النسيج المادي للمواطنة عبر تشريعات تعيد تقسيم المكان إلى جيوب محصنة وفراغات مباحة. في هذا السياق، تتحول قوانين البناء، والإيجارات، وإزالات السكن غير الرسمي إلى آليات للفرز الجراحي؛ حيث يمنح الحق في الاستقرار لمن يمتلك القدرة على الامتثال لمعايير بصرية ومالية وضعتها السلطة بمعزل عن الحاجة الاجتماعية للناس. المواطن هنا يعرف بموقعه من الخطة لا من الحق؛ فمن يقطن في هامش لا تراه الخريطة الرسمية، يصبح معزولاً في حيه، متعدياً بوجوده المادي على نص يرى في الإزالة تطويراً وفي التهجير تنظيماً.
النص القانوني هنا يمارس فعلاً من أفعال الانحياز للملكية؛ إذ يحصن المتن بقوانين الحماية والرفاهية، بينما يلقي بالمنبوذين في مناطق رمادية، حيث تظل حياتهم وأرزاقهم معلقة بقرار إداري محض، لا يملك صاحب الحق حياله سوى الامتثال أو السقوط خارج دائرة المواطن المستحق.
تنتقل صناعة الغريب في مرحلتها الأخيرة من مصادرة الحقوق المعنوية والمكانية إلى التهام الجسد ذاته، حيث يتحول الفرد داخل منظومة الحبس المطول أو التدوير إلى كائن حي معلق في فراغ إجرائي محكم. هنا، لا يعامل الجسد كذمة قانونية تنتظر محاكمة، بل كمادة خام لإدارة الاستثناء الدائم. في هذا المختبر، تمحى الحماية الدستورية بقرار إداري يتخفى في رداء قضائي، ليصبح الرهين الإجرائي نموذجاً للعزل في أقصى تجلياتهم؛ فهو موجود مادياً في قبضة السلطة، لكنه غائب قانوناً عن حماية النص. القيد هنا لا يهدف للعقاب على فعل مضى، بل لإنتاج حالة من العدمية القانونية حيث يفقد الزمن معناه، وتتحول الإجراءات إلى طقوس دورية هدفها الوحيد هو تأكيد نفي السجين عن عالم الحقوق والضمانات. هذا الجسد المنفي داخل أسوار القانون هو الثمرة المرة لسيادة الاستثناء؛ حيث يتوقف الدستور عن كونه مرجعاً، ليصبح مجرد وثيقة للآخرين، بينما يترك المعزولون لمواجهة آلة لا تعترف بانتهاء العقوبة، لأن الجريمة الحقيقية في نظرها هي الكينونة التي قررت السلطة مسبقاً أنها خارج المتن الوطني.
إن مآل شرعية العزل لا يقف عند حدود ترهيب المعارض أو إزاحة الفقير، بل يمتد لتقويض الثقة العامة في عدالة النص كمرجعية أخلاقية وناظم اجتماعي. حين يشعر الملايين أنهم ضيوف مؤقتون في أوطانهم، محكومون بنصوص لا تشبههم وتحميهم بشروط لا يملكونها، يتحول الانتماء من فعل طوعي إلى عبء إجرائي يقاس بمدى القدرة على تفادي الأذى. هذا الاغتراب القانوني الشامل ينتج مجتمعاً من الناجين لا المواطنين؛ أفراد يبحثون عن مخارج فردية خارج إطار القانون، إيماناً منهم بأن الحماية أصبحت امتيازاً وليست حقاً دستورياً. ومع ذلك، فإن هذا العزل القسري يحمل في أحشائه إمكانية استعادة المعنى؛ إذ إن تآكل المشروعية الأخلاقية للنص يفتح الباب أمام تشكل وعي جديد يرفض تعريفات السلطة للغريب والقريب. إن مقاومة العزل تبدأ من رفض الاستسلام لصفة النفي داخل الوطن، ومن الإصرار على أن العدالة ليست منحة توزعها السلطة، بل هي جوهر العقد الاجتماعي الذي لا يستقيم بوجود فئات خارج المتن.



