مع بداية الستينيات، دخلت العلاقة بين القضاء والسلطة في مصر مرحلة مختلفة. فقد كانت السلطة قد نجحت في إعادة تشكيل النظام السياسي، وإلغاء التعددية الحزبية، وتوسيع دورها في إدارة الاقتصاد والمجتمع. كما استطاعت التدخل في المؤسسات القضائية وإنشاء محاكم استثنائية للفصل في القضايا التي أرادت إبعادها عن القضاء العادي. لكن السيطرة على القضاة أنفسهم، وعلى المؤسسات المهنية التي تمثلهم، ظلت أكثر تعقيدا.
كان القضاء يضم اتجاهات مختلفة في مواقفها من نظام يوليو. فقد أيد بعض القضاة السياسات الاقتصادية والاجتماعية لعبد الناصر، وشارك آخرون في مؤسسات النظام، بينما تمسك قطاع منهم باستقلال القضاء ورفض التدخل في شؤونه. ولم تكن هذه المواقف متعارضة بالضرورة؛ إذ أمكن للقاضي أن يؤيد الإصلاح الزراعي والتأميمات والمواقف القومية للنظام، وأن يعترض في الوقت نفسه على تدخل وزارة العدل أو إخضاع القضاة للتنظيم السياسي.
ومع اتجاه عبد الناصر إلى بناء تنظيم سياسي واحد، أصبح هذا التناقض أكثر وضوحا. فقد سعت السلطة إلى توسيع نفوذها داخل المؤسسات من خلال التنظيم السياسي، وواجهت داخل القضاء مقاومة لمحاولات إخضاع العمل القضائي لعلاقات الولاء والانضباط التنظيمي.
التنظيم الطليعي وإدارة المؤسسات
ارتبط تأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي سنة 1962 بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مصر، خصوصا بعد قرارات يوليو 1961 التي وسعت ملكية القطاع العام وأعادت توزيع جانب من الموارد الاقتصادية. وكان التصور المعلن يقوم على بناء تنظيم يجمع القوى الاجتماعية المؤيدة للتحول الاشتراكي، ويتيح لها المشاركة في إدارة المؤسسات وتنفيذ السياسات الجديدة.
لكن الاتحاد الاشتراكي نشأ تحت قيادة السلطة، في ظل غياب التنظيمات السياسية المستقلة. وأصبحت المشاركة السياسية مرتبطة بإطار تنظيمي تحدد القيادة الحاكمة قواعده وحدود نشاطه. وقد أتاح ذلك للسلطة توسيع نفوذها داخل المؤسسات العامة والمهنية، مع استمرار اعتمادها على الأجهزة الإدارية والأمنية في إدارة الحياة السياسية.
وفي سنة 1963، بدأ عبد الناصر إنشاء تنظيم سياسي أكثر انضباطا داخل الاتحاد الاشتراكي، عرف باسم التنظيم الطليعي أو طليعة الاشتراكيين.
يتناول أحمد حمروش، في الجزء الثاني من كتابه قصة ثورة 23 يوليو، نشأة التنظيم الطليعي وطريقة عمله، باعتباره محاولة لبناء جهاز سياسي قادر على تنفيذ توجهات النظام داخل المؤسسات. وقد اعتمد التنظيم على اختيار عناصر محددة وربطها بقيادة مركزية، مع الاحتفاظ بطابع سري جعل نشاطه خارج الهياكل التنظيمية المعلنة.
وتكتسب تجربة التنظيم الطليعي أهميتها من المشكلة التي حاول النظام معالجتها. فقد وصل الضباط الأحرار إلى السلطة دون امتلاك تنظيم سياسي جماهيري سابق على يوليو، ثم شرعوا في تنفيذ تحولات واسعة شملت علاقات الملكية والعمل والتعليم والإدارة. واحتاجت السلطة إلى عناصر سياسية تستطيع الاعتماد عليها داخل المؤسسات، خصوصا مع اتساع دور القطاع العام وتزايد عدد العاملين في أجهزة الحكم.
كان التنظيم الطليعي إحدى وسائل معالجة هذه المشكلة. فقد أتاح بناء شبكات من العناصر المرتبطة بالقيادة السياسية داخل المؤسسات، وتوفير قنوات للتأثير في مواقف العاملين بها ومتابعة تنفيذ السياسات. كما أصبح الانتماء إلى التنظيم مرتبطا بعلاقات الثقة والولاء السياسي، إلى جانب المواقع الرسمية التي يشغلها أعضاؤه.
وقد جمع هذا الأسلوب بين التعبئة السياسية ومحاولة السيطرة على المؤسسات. فمن ناحية، ارتبط التنظيم بمشروع أعلن تبنيه للعدالة الاجتماعية والتحول الاشتراكي، ومن ناحية أخرى، اعتمد على علاقات سياسية مغلقة تجعل التأثير في المؤسسات ممكنا من خارج قواعدها المعلنة.
وكان امتداد هذا الأسلوب إلى القضاء يثير مشكلة تتعلق بطبيعة المؤسسة القضائية نفسها.
القضاء بين الاستقلال المهني والانضباط السياسي
يقوم العمل القضائي على قواعد تتعلق باستقلال القاضي وحياده، وعلى ضمانات تنظم تعيينه وترقيته ومساءلته. أما التنظيم السياسي فيقوم على الالتزام ببرنامج ومواقف وقرارات تتخذها قيادته. وتصبح العلاقة بين الأمرين أكثر تعقيدا إذا كان التنظيم مرتبطا بالسلطة التنفيذية التي تملك أدوات التأثير في شؤون القضاء.
فوجود قضاة مؤيدين للنظام لا يثير في ذاته المشكلة نفسها التي يثيرها وجود تنظيم سياسي يعمل داخل المؤسسة القضائية. فالتأييد السياسي يعبر عن موقف فردي، بينما ينشئ الانتماء التنظيمي علاقات والتزامات قد تتعارض مع استقلال الوظيفة القضائية.
ويزداد أثر هذه المشكلة مع الطابع السري للتنظيم الطليعي. فقد كان من الممكن أن يرتبط بعض القضاة بعلاقات تنظيمية لا تخضع للقواعد المعلنة لإدارة المؤسسة، وأن تتداخل هذه العلاقات مع الخلافات المهنية والانتخابات والمواقف الجماعية للقضاة.
وتكشف هذه المحاولة عن تصور السلطة للعلاقة مع القضاء. فقد كان المطلوب توسيع النفوذ السياسي داخل المؤسسة، والاستفادة من القضاة المؤيدين للنظام في مواجهة الاتجاهات التي تتمسك باستقلال القضاء عن التنظيم السياسي.
لكن هذه المحاولات واجهت حدودا واضحة.
ففي سنة 1963، دخل نادي القضاة في خلاف مع وزارة العدل بشأن مشروع لتعديل قانون السلطة القضائية. وقد اعترض القضاة على المشروع، ورفعوا موقفهم إلى رئيس الجمهورية، وانتهت الأزمة بالتراجع عنه.
كانت أهمية هذه الواقعة أنها كشفت عن وجود مؤسسة مهنية منتخبة تستطيع التعبير عن موقف جماعي، والاعتراض على مشروع تتبناه السلطة التنفيذية. كما أظهرت أن قدرة السلطة على إصدار التشريعات لم تكن تعني بالضرورة سهولة فرض كل تعديل يتعلق بشؤون القضاء.
وخلال السنوات التالية، ظهرت خلافات أخرى داخل المؤسسة القضائية، خصوصا بين النيابة العامة وأجهزة الأمن. وتقدم مذكرات النائب العام محمد عبد السلام صورة عن هذه المواجهات، وما ارتبط بها من تدخل في التحقيقات وعدم تنفيذ بعض قرارات الإفراج.
وقد كشفت هذه الخلافات عن مشكلة تتعلق بقدرة القضاء والنيابة العامة على ممارسة اختصاصاتهما القانونية في مواجهة أجهزة السلطة. فقد كانت أجهزة الأمن تتمتع بنفوذ واسع داخل النظام السياسي، بينما احتفظت النيابة بصلاحيات قانونية يمكن أن تؤدي ممارستها إلى الاعتراض على بعض إجراءات تلك الأجهزة.
من الخلاف المهني إلى المواجهة السياسية
بعد هزيمة يونيو 1967، اتسعت المطالب بالمحاسبة والحريات وإصلاح مؤسسات الحكم. وقد امتدت هذه المطالب إلى القضاء، وأصبحت الخلافات المتعلقة باستقلاله جزءا من النقاش السياسي الأوسع حول طبيعة النظام وحدود السلطة التنفيذية.
وفي مارس 1968، أصدر القضاة بيانا طالب باستقلال القضاء وسيادة القانون، ورفض إخضاع القضاة للتنظيمات السياسية. وكان البيان تعبيرا عن تيار داخل المؤسسة القضائية جمع بين تأييد المواقف القومية للنظام والمطالبة بضمانات تحمي القضاء من التدخل السياسي.
وتكشف هذه المواقف عن جانب مهم من الصراع. فقد كان بعض القضاة يرى أن استقلال القضاء شرط ضروري لإصلاح النظام السياسي، دون أن يقتضي ذلك معارضة المشروع الاقتصادي والاجتماعي الذي تبناه عبد الناصر.
وكان هذا التمييز يمثل مشكلة للسلطة، لأن التأييد السياسي للنظام لم يكن كافيا لضمان قبول القضاة بالتدخل في شؤون مؤسستهم.
وقد ظهرت نتيجة الصراع في انتخابات نادي القضاة في مارس 1969، التي انتهت بفوز القائمة المرتبطة ببيان مارس 1968 بجميع مقاعد مجلس الإدارة.
كانت النتيجة مؤشرا على حدود النفوذ السياسي الذي استطاعت السلطة بناءه داخل المؤسسة القضائية. فقد امتلكت أدوات للتأثير في القضاة، واستفادت من وجود عناصر مؤيدة لها، لكنها لم تتمكن من ضمان السيطرة على النادي من خلال الانتخابات.
ومن المهم هنا التمييز بين المعارضة السياسية للنظام والدفاع عن استقلال المؤسسة القضائية. فقد كان القضاة مختلفين في مواقفهم السياسية، لكن قطاعا واسعا منهم استطاع الاتفاق على رفض التدخل في شؤون القضاء.
وتكشف هذه التجربة عن حدود التنظيم السياسي باعتباره أداة لإدارة المؤسسات. فقد أتاح للسلطة بناء نفوذ داخل القضاء، لكنه لم يضمن خضوع القضاة أو السيطرة على مؤسساتهم المهنية المنتخبة.
من الاحتواء إلى إعادة التشكيل
جاءت مذبحة القضاء في أغسطس 1969 بعد سنوات من محاولات التأثير في المؤسسة القضائية، وبعد أن أظهرت انتخابات نادي القضاة حدود النفوذ الذي استطاعت السلطة بناءه داخلها.
فقد استخدمت السلطة هذه المرة التشريع لإعادة تشكيل الهيئات القضائية، واستبعاد عدد من أعضائها، وإنهاء مجلس إدارة النادي المنتخب.
وكان القانون رقم 83 لسنة 1969 الأداة الرئيسية لإعادة التشكيل، إذ منح رئيس الجمهورية صلاحيات استثنائية لإعادة تعيين أعضاء الهيئات القضائية وتحديد وظائفهم وأقدميتهم. كما أعاد القانون رقم 84 لسنة 1969 تنظيم نادي القضاة، وأنهى مجلس إدارته المنتخب قبل أشهر قليلة.
كانت هذه الإجراءات تعبيرا عن انتقال السلطة من محاولة التأثير في مواقف القضاة وإدارة مؤسساتهم إلى التدخل المباشر في تكوين المؤسسة القضائية نفسها.
وقد أتاحت إعادة التشكيل استبعاد قضاة وأعضاء نيابة دون المرور بالإجراءات التأديبية المعتادة، وربط استمرارهم في وظائفهم بقرارات استثنائية. كما أنهت القيادة المنتخبة لنادي القضاة، التي كانت قد عبرت عن موقف جماعي رافض للتدخل في شؤون المؤسسة.
ويكشف هذا التحول عن حدود المحاولات السابقة للسيطرة على القضاء. فقد استطاعت السلطة بناء نفوذ داخل المؤسسة، لكنها واجهت صعوبة في تحويل هذا النفوذ إلى قدرة مستقرة على توجيه مواقف القضاة وإدارة مؤسساتهم المهنية.
وفي المقابل، أظهرت قوانين أغسطس قدرة السلطة على استخدام التشريع لتجاوز هذه الحدود، وإعادة تشكيل المؤسسة بعد أن واجهت اعتراضات متكررة من أعضائها.
لكن نجاح السلطة في تنفيذ إجراءات أغسطس لم يؤد إلى إنهاء الصراع بصورة مستقرة. فقد استمرت آثار المذبحة بعد وفاة عبد الناصر، وأصبحت إعادة القضاة المستبعدين ومراجعة الإجراءات التي اتخذت ضدهم جزءا من العلاقة بين القضاء والسلطة خلال السنوات التالية.
حصيلة العلاقة بين القضاء والسلطة في عهد عبد الناصر
تكشف تجربة عبد الناصر عن تطور واضح في أدوات تدخل السلطة في القضاء. فقد بدأت المحاولات بالتحكم في اختصاصاته، من خلال إنشاء محاكم استثنائية وإبعاد بعض القضايا السياسية عن القضاء العادي. ثم امتدت إلى التأثير في المؤسسة من الداخل، باستخدام وزارة العدل والتنظيم السياسي والعلاقات مع القضاة المؤيدين للسلطة. وانتهت بإعادة تشكيل الهيئات القضائية سنة 1969، عندما استخدمت السلطة التشريع للتدخل المباشر في تكوين المؤسسة وضمانات أعضائها.
وكان هذا التطور مرتبطا بطبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد يوليو 1952. فقد امتلكت السلطة قدرة واسعة على إعادة تنظيم مؤسسات الحكم، لكنها واجهت داخل القضاء تقاليد مهنية ومؤسسات منتخبة جعلت السيطرة عليه أكثر تعقيدا.
كما تكشف التجربة عن حدود التنظيم السياسي الواحد في إدارة المؤسسات. فقد استطاع النظام بناء نفوذ داخل القضاء، لكنه لم يتمكن من ضمان خضوع القضاة أو السيطرة على مؤسساتهم المهنية المنتخبة. وقد أظهرت انتخابات نادي القضاة سنة 1969 أن التأييد السياسي للنظام لا يؤدي بالضرورة إلى قبول التدخل في شؤون المؤسسة القضائية.
وفي المقابل، كشفت مذبحة القضاء عن قدرة السلطة على استخدام التشريع لتجاوز هذه الحدود، وإعادة تشكيل المؤسسة بعد أن واجهت اعتراضات متكررة من أعضائها.
لكن نجاح السلطة في تنفيذ إجراءات أغسطس 1969 لم يؤد إلى إنهاء الصراع بصورة مستقرة. فقد استمرت آثار المذبحة بعد وفاة عبد الناصر، وأصبحت إعادة القضاة المستبعدين ومراجعة الإجراءات التي اتخذت ضدهم جزءا من العلاقة بين القضاء والسلطة خلال السنوات التالية.
وتحتاج هذه الحصيلة إلى التمييز بين استقلال القضاء بوصفه مؤسسة، ودوره في حماية الحقوق والحريات. فقد استطاع القضاة الدفاع عن ضماناتهم المهنية والاعتراض على بعض تدخلات السلطة التنفيذية، بينما استمر النظام في استخدام المحاكم الاستثنائية وتوسيع صلاحيات أجهزة الأمن وتقييد الحريات السياسية. كما شارك بعض رجال القضاء في مؤسسات النظام وأيدوا سياساته، وهو ما يجعل التعامل مع القضاء باعتباره كتلة واحدة في مواجهة السلطة أمرا غير دقيق.
يمكن القول إن عبد الناصر نجح في فرض تدخل واسع على القضاء، لكنه لم يتمكن من إقامة علاقة مستقرة تضمن خضوع المؤسسة القضائية بالكامل للسلطة التنفيذية. فقد احتفظ القضاء، رغم ما تعرض له، بقدر من التقاليد المهنية والقدرة على الاعتراض، وظهرت حدود التدخل الذي وقع سنة 1969 في السنوات التالية.
وكانت هذه هي المؤسسة القضائية التي ورثها السادات بعد وفاة عبد الناصر: مؤسسة تعرضت لإعادة تشكيل واسعة، وقضاة يطالب بعضهم بإزالة آثار المذبحة، ونظام قانوني يتيح للسلطة التدخل في شؤون القضاء واستخدام المحاكم الاستثنائية.
ومن هذه النقطة تبدأ مرحلة جديدة في علاقة القضاء بالسلطة، اختلفت فيها الأدوات السياسية والاقتصادية، واستمرت خلالها محاولات إعادة ترتيب موقع القضاء داخل نظام الحكم.
المراجع
أحمد حمروش، قصة ثورة 23 يوليو، الجزء الثاني: مجتمع جمال عبد الناصر.
عبد الله إمام، مذبحة القضاء، مكتبة مدبولي، القاهرة،
طارق البشري، القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء.
تامر مصطفى، الصراع على السلطة الدستورية: دور المحكمة الدستورية العليا في السياسة المصرية.
محمد الجوادي، مذكرات رجال القانون والقضاء، فصل «معركة العدالة في مصر للمستشار ممتاز نصار».
ممتاز نصار، معركة العدالة في مصر.
محمد عبد السلام، سنوات عصيبة: ذكريات نائب عام.
عمرو الشلقاني، «هل كان القانون في إجازة؟ الشروق، 24 أكتوبر
التشريعات والأحكام القضائية
التشريعات
القانون رقم 81 لسنة 1969 بشأن المحكمة العليا.
القانون رقم 82 لسنة 1969 بشأن المجلس الأعلى للهيئات القضائية.
القانون رقم 83 لسنة 1969 بشأن إعادة تشكيل الهيئات القضائية.
القانون رقم 84 لسنة 1969 بشأن تنظيم نادي القضاة.
القانون رقم 85 لسنة 1971 بشأن جواز إعادة تعيين بعض أعضاء الهيئات القضائية.
القانون رقم 43 لسنة 1973 بشأن إعادة بعض أعضاء الهيئات القضائية إلى وظائفهم الأصلية.
الأحكام القضائية
محكمة النقض، طلب رجال القضاء رقم 26 لسنة 41 قضائية، جلسة 21 ديسمبر



