بعد أقل من عام على مذبحة القضاء، توفي جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، تاركًا وراءه مؤسسة قضائية أعادت السلطة تشكيلها في أغسطس 1969، وقضاة فقدوا وظائفهم، وأزمة لم تنتهِ بإبعاد المعترضين أو إنهاء مجلس إدارة نادي القضاة المنتخب. فقد مست الإجراءات التي اتخذتها السلطة ضمانات العمل القضائي نفسها، وأصبح استمرار القاضي في وظيفته مرتبطًا بقرار جديد يصدر بإعادة تعيينه.
تولى أنور السادات رئاسة الجمهورية في أكتوبر 1970، وسط صراع على السلطة داخل النظام الذي ورثه. وكان أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين شاركوا في بناء مؤسسات الحكم بعد يوليو 1952، وسبق أن شارك في تشكيل محاكم استثنائية لمحاكمة خصوم النظام. فقد كان عضوًا في محكمة الثورة سنة 1953، ثم محكمة الشعب التي شُكلت بعد حادث المنشية سنة 1954. ولذلك لم يكن وصوله إلى الرئاسة يمثل خروجًا على تاريخ تدخل السلطة في القضاء، لكنه فتح مرحلة مختلفة في إدارة العلاقة مع المؤسسات القضائية.
كان السادات يسعى إلى تثبيت موقعه داخل السلطة وإعادة ترتيب مراكز النفوذ في الدولة، خصوصًا مع تصاعد خلافه مع عدد من كبار المسؤولين المرتبطين بعبد الناصر. وفي مايو 1971، انتهى هذا الصراع بإبعاد عدد من أبرز رموز النظام السابق، فيما عُرف بأحداث 15 مايو أو «ثورة التصحيح»، وفق التسمية التي تبناها السادات. وقد صاحب ذلك خطاب سياسي ركز على سيادة القانون وإنهاء بعض الممارسات الاستثنائية التي ارتبطت بالمرحلة السابقة.
كانت معالجة آثار مذبحة القضاء إحدى القضايا التي واجهت السلطة الجديدة. فقد استمرت مطالب القضاة المستبعدين بالعودة إلى وظائفهم، وأصبح التراجع عن إجراءات 1969 جزءًا من إعادة ترتيب العلاقة بين النظام والمؤسسة القضائية.
العودة من مذبحة القضاء
في سنة 1971، صدر القرار بقانون رقم 85 بجواز إعادة تعيين بعض أعضاء الهيئات القضائية الذين خرجوا من وظائفهم نتيجة إجراءات أغسطس 1969. وقد مثّل صدور القانون أول تراجع تشريعي عن إحدى النتائج الأساسية للمذبحة، بعد أن استخدم عبد الناصر القانون رقم 83 لسنة 1969 لإعادة تشكيل الهيئات القضائية واستبعاد عدد من أعضائها.
اختار القانون الجديد طريق إعادة التعيين، وهو ما أبقى عودة القضاة مرتبطة بقرارات تصدرها السلطة. وكان الفارق مهمًا بالنسبة إلى المستبعدين؛ لأنهم كانوا يشغلون وظائفهم بالفعل قبل أغسطس 1969، ويتمتعون بالضمانات المقررة لأعضاء الهيئات القضائية. أما العودة بقرار جديد فكانت تترك أصل قرارات العزل قائمًا، وتمنح السلطة دورًا في تحديد من يعود إلى موقعه ومن يستمر استبعاده.
أثار هذا الاختيار اعتراضات لدى بعض القضاة، وكان المستشار ممتاز نصار، رئيس نادي القضاة السابق وأحد أبرز من شملتهم إجراءات المذبحة، من المعترضين على الاكتفاء بإعادة تعيين بعض المستبعدين. وتكشف شهادته، التي عرضها محمد الجوادي في كتابه «مذكرات رجال القانون والقضاء»، عن المطالبة بإزالة آثار قرارات العزل وإعادة القضاة إلى مراكزهم القانونية السابقة.
انتقل الخلاف بعد ذلك إلى محكمة النقض، التي أصدرت في 21 ديسمبر 1972 حكمًا مهمًا في الطلب رقم 26 لسنة 41 قضائية، المقام من المستشار عبد العليم رزق الدهشان، الذي كان يشغل منصب مستشار بمحكمة النقض قبل أن يُستبعد من قرارات إعادة التعيين سنة 1969.
كان الدهشان قد طعن على القرار الجمهوري رقم 1603 لسنة 1969، فيما تضمنه من إغفال إعادة تعيينه، وعلى القرار الصادر بإنهاء خدمته. واستند طعنه إلى مخالفة هذه الإجراءات للضمانات المقررة للقضاة، وإلى أن القرار بقانون رقم 83 لسنة 1969 بشأن إعادة تشكيل الهيئات القضائية صدر خارج الحدود التي رسمها التفويض التشريعي الممنوح لرئيس الجمهورية.
استند عبد الناصر في إصدار قانون إعادة التشكيل إلى القانون رقم 15 لسنة 1967، الذي فوض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون. وكان التفويض قد صدر بعد هزيمة يونيو 1967، في ظروف استثنائية منحت السلطة التنفيذية صلاحيات تشريعية واسعة.
بحثت محكمة النقض حدود التفويض، ومدى اتصال إعادة تشكيل الهيئات القضائية بالأغراض التي صدر من أجلها. وانتهت إلى أن القرار بقانون رقم 83 لسنة 1969 تجاوز هذه الحدود، وأنه لا يصلح أساسًا قانونيًا لاستبعاد القضاة الذين لم تشملهم قرارات إعادة التعيين. وقضت بإلغاء القرارات المتعلقة بعزل الدهشان واعتبارها عديمة الأثر بالنسبة إليه.
كانت أهمية الحكم تتجاوز إعادة أحد القضاة إلى وظيفته. فقد تناولت المحكمة الأداة القانونية التي استخدمتها السلطة لإجراء المذبحة، وقررت أن الصلاحيات التشريعية الاستثنائية لا تعفي القرارات الصادرة بموجبها من الالتزام بحدود التفويض. وأصبح القانون الذي استخدمه عبد الناصر لإعادة تشكيل الهيئات القضائية محل رقابة قضائية بعد ثلاث سنوات من صدوره.
وفي الجلسة ذاتها، صدر حكم آخر في الطلب رقم 21 لسنة 39 قضائية، تناول كذلك قرارات العزل الصادرة سنة 1969. وقد ساهمت هذه الأحكام في تغيير الوضع القانوني للقضاة المستبعدين، وفرضت على السلطة التعامل مع نتائج المذبحة من خلال أحكام قضائية، إلى جانب التشريعات التي كانت قد أصدرتها.
وفي سنة 1973، صدر القانون رقم 43 بشأن إعادة بعض أعضاء الهيئات القضائية إلى وظائفهم الأصلية. وقد وسّع القانون نطاق العودة، بعد أن كانت المعالجة السابقة تقوم على جواز إعادة تعيين بعض المستبعدين. كما نظم الآثار الوظيفية المترتبة على العودة، ومنها احتساب مدة الاستبعاد ضمن مدة الخدمة وتسوية الأقدمية والترقيات وفق القواعد التي وضعها.
لكن هذه المعالجة لم تُنهِ جميع المنازعات التي نشأت عن المذبحة. فقد استمرت أمام محكمة النقض طلبات تتعلق بالأقدمية والترقيات والحقوق المالية، وامتد بعضها إلى منتصف السبعينيات. وكانت هذه المنازعات نتيجة مباشرة لسنوات الاستبعاد، وما ترتب عليها من اختلاف المراكز الوظيفية بين القضاة الذين استمروا في العمل وزملائهم الذين عادوا بعد إلغاء قرارات عزلهم.
جرى التراجع عن مذبحة القضاء عبر مسارين متداخلين. فقد أصدرت السلطة تشريعات سمحت بعودة المستبعدين ونظمت مراكزهم الوظيفية، وفي الوقت نفسه أصدرت محكمة النقض أحكامًا ألغت قرارات العزل وأعادت النظر في الأساس القانوني الذي استندت إليه إجراءات 1969. وكان دور المحكمة مهمًا لأنه جعل معالجة آثار المذبحة تتجاوز القرارات التي اختارت السلطة إصدارها، وفتح المجال أمام القضاة للمطالبة بحقوقهم استنادًا إلى أحكام قضائية.
إعادة تنظيم السلطة القضائية
بالتوازي مع معالجة آثار المذبحة، بدأت السلطة إعادة تنظيم القضاء نفسه. ففي الأول من أكتوبر 1972، أصدر السادات القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية، الذي حل محل القانون رقم 43 لسنة 1965.
جاء القانون بعد صدور دستور 1971، الذي أفرد للسلطة القضائية فصلًا مستقلًا، ونص على استقلالها، وحظر تدخل السلطات الأخرى في شؤون العدالة، وقرر أن القضاة مستقلون وغير قابلين للعزل، وأن القانون ينظم الضمانات المقررة لهم.
أعاد قانون 1972 تنظيم المحاكم وشؤون القضاة وأعضاء النيابة العامة، وتناول قواعد التعيين والترقية والنقل والندب والتأديب. كما قرر ضمانة عدم قابلية القضاة للعزل، ونظم الإجراءات المتعلقة بمساءلتهم.
كان صدور القانون جزءًا من التحول الذي شهدته العلاقة بين السادات والمؤسسة القضائية في السنوات الأولى من حكمه. فقد جاء بعد إجراءات إعادة بعض القضاة المستبعدين، وفي مرحلة بدأ النظام يقدم فيها احترام القانون والمؤسسات بوصفه أحد الفروق بينه وبين المرحلة السابقة.
لكن تنظيم شؤون القضاء ظل يتضمن اختصاصات مؤثرة للسلطة التنفيذية. فقد احتفظ وزير العدل بدور في إدارة المحاكم وشؤون القضاة، واستمر العمل بالمجلس الأعلى للهيئات القضائية الذي أنشئ بالقانون رقم 82 لسنة 1969، ضمن التشريعات التي صدرت وقت المذبحة.
وكانت هذه المسألة من القضايا التي استمر الخلاف حولها خلال السنوات التالية. فقد ارتبط استقلال القضاء بمطالب تتعلق بالجهة التي تتولى إدارة شؤون القضاة، وبحدود اختصاصات وزير العدل في مسائل التفتيش والتعيين والترقية والندب. واستمر هذا الخلاف حتى بعد نهاية حكم السادات، وظهر مجددًا في التعديلات التي أدخلت على تنظيم مجلس القضاء الأعلى خلال عهد مبارك.
نادي القضاة واستعادة التنظيم
كان نادي القضاة أحد المراكز الأساسية للمواجهة مع عبد الناصر في نهاية الستينيات. فقد أصدر القضاة بيان مارس 1968 الذي طالب باستقلال القضاء، ثم جاءت انتخابات مارس 1969 لتمنح الاتجاه المرتبط بالبيان جميع مقاعد مجلس إدارة النادي. وبعد خمسة أشهر، صدرت قوانين أغسطس التي أنهت المجلس المنتخب وأعادت تنظيم النادي على أساس المناصب القضائية التي يشغلها أعضاؤه.
وفي سنة 1975، عادت انتخابات مجلس إدارة نادي القضاة بعد توقفها نتيجة إجراءات أغسطس 1969، واستعاد المستشار ممتاز نصار رئاسته. وقد حملت عودته دلالة مهمة؛ إذ عاد أحد أبرز رموز المواجهة السابقة مع السلطة إلى قيادة النادي، بعد سنوات من إبعاده عن الوظيفة القضائية وإنهاء المجلس المنتخب الذي كان يرأسه.
استمر نصار في رئاسة النادي حتى سنة 1980، قبل أن يتولى المستشار وجدي عبد الصمد رئاسته. وكان هذا الانتقال جزءًا من استعادة النادي لنشاطه المؤسسي، بعد سنوات من التدخل المباشر في تشكيل مجلس إدارته.
وقد مثلت عودة الانتخابات تطورًا مهمًا في العلاقة بين القضاة والسلطة. فقد استعادت الجمعية العمومية للنادي دورها في اختيار مجلس الإدارة، وأصبح بإمكان القضاة التعبير عن مواقفهم من خلال تنظيم مهني منتخب. ومع ذلك، ظلت المسائل المتعلقة باستقلال إدارة شؤون القضاء قائمة، خصوصًا في ظل استمرار اختصاصات وزير العدل والمجلس الأعلى للهيئات القضائية.
كانت استعادة النادي لانتخاباته إحدى نتائج التراجع عن إجراءات 1969، لكنها كشفت أيضًا حدود هذا التراجع؛ إذ عادت للقضاة مساحة من التنظيم المهني، بينما بقيت أدوات التأثير التنفيذي في المؤسسة القضائية قائمة.
حدود التغيير
شهدت السنوات الأولى من حكم السادات تراجعًا عن بعض الإجراءات التي اتخذها عبد الناصر في مواجهة القضاء. فقد عاد قضاة إلى وظائفهم، وألغت محكمة النقض قرارات عزل صدرت سنة 1969، وأُعيد تنظيم السلطة القضائية بقانون جديد، واستعاد نادي القضاة انتخاب مجلس إدارته والتعبير عن مواقف أعضائه.
وكان لهذه التطورات أثر مهم على العلاقة بين القضاء والسلطة. فقد استطاعت المؤسسة القضائية استعادة جانب من الضمانات التي فقدتها خلال المواجهة مع عبد الناصر، وأظهرت أحكام محكمة النقض أن القضاة يمتلكون أدوات قانونية لمواجهة القرارات التي تمس استقلالهم ومراكزهم الوظيفية.
لكن التراجع عن إجراءات المذبحة لم يؤدِ إلى تغيير كامل في طبيعة العلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذية. فقد استمر العمل بالمجلس الأعلى للهيئات القضائية، واحتفظ وزير العدل باختصاصات مؤثرة في إدارة شؤون القضاة. كما ظلت السلطة تحتفظ بقدرتها على التدخل في تنظيم المؤسسات القضائية من خلال التشريع.
وبذلك، نجح السادات في إنهاء جانب مهم من الأزمة التي ورثها عن عبد الناصر، واستعاد القضاء بعض ضماناته ومساحته المؤسسية. غير أن حدود هذا الاستقلال ظلت مرتبطة بطبيعة النظام السياسي نفسه، وبمدى استعداد السلطة التنفيذية للتخلي عن الأدوات التي تسمح لها بالتأثير في شؤون القضاء.
مراجع المقال
الكتب والدراسات
-
عبد الله إمام، مذبحة القضاء، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1976.
-
طارق البشري، القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الثانية، 2006.
-
ممتاز نصار، معركة العدالة في مصر، دار الشروق.
-
محمد الجوادي، مذكرات رجال القانون والقضاء، القسم المتعلق بشهادة ممتاز نصار عن مذبحة القضاء ومعالجة آثارها.
-
تامر مصطفى، الصراع على السلطة الدستورية: دور المحكمة الدستورية العليا في السياسة المصرية.
-
Nathan J. Brown, The Rule of Law in the Arab World: Courts in Egypt and the Gulf, Cambridge University Press, 1997.
المقالات والمصادر الصحفية
-
«السادات.. زمن الاستثناء»، الشروق، 5 يونيو 2013.
التشريعات والأحكام القضائية
-
القانون رقم 15 لسنة 1967 بشأن تفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون.
-
القانون رقم 82 لسنة 1969 بشأن المجلس الأعلى للهيئات القضائية.
-
القرار بقانون رقم 83 لسنة 1969 بشأن إعادة تشكيل الهيئات القضائية.
-
القانون رقم 84 لسنة 1969 بشأن تنظيم نادي القضاة.
-
القرار بقانون رقم 85 لسنة 1971 بجواز إعادة تعيين بعض أعضاء الهيئات القضائية.
-
القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية.
-
القانون رقم 43 لسنة 1973 بشأن إعادة بعض أعضاء الهيئات القضائية إلى وظائفهم الأصلية.
-
محكمة النقض، الطلب رقم 26 لسنة 41 قضائية، رجال القضاء، جلسة 21 ديسمبر 1972، مجموعة المكتب الفني، السنة 23، الجزء الثالث، المبدأ 187، ص 1191.
-
محكمة النقض، الطلب رقم 21 لسنة 39 قضائية، رجال القضاء، جلسة 21 ديسمبر 1972.
-
محكمة النقض، الطلبان رقما 54 لسنة 43 قضائية و21 لسنة 44 قضائية، جلسة 27 يونيو 1974.



