يصعب الحديث عن القانون من دون التوقف أمام فكرة تتكرر كثيرًا: القانون مرادف للعدالة، واحترامه في ذاته ضمانة للتحضر. المشكلة أن هذه الفكرة تتجاهل السياق الذي يصدر فيه القانون، ومن يملك سلطة وضعه وتطبيقه، والنتائج التي تترتب عليه.
القانون ليس منفصلًا عن الصراع داخل المجتمع. النصوص التي تبدو محايدة في لغتها يمكن أن تعكس موازين القوة القائمة، وأن تحدد من يستطيع الفعل، وما المسموح به، ومن يملك الحماية، ومن يتعرض للعقاب.
لهذا هناك فرق بين القانون كمنظومة من القواعد والعدالة كقيمة نقيس بها هذه القواعد ونتائجها. وجود قانون لا يكفي للحكم على عدالته. الأهم هو ما يفعله القانون في الواقع، ومن يحميه، ومن يستثنيه، وما الحقوق التي يضمنها أو يقيدها.
المشكلة تبدأ مع التعامل مع احترام القانون كغاية مستقلة عن مضمونه. فقد يكون القانون نفسه ظالمًا أو تمييزيًا، وقد يصبح تطبيقه عائقًا أمام العدالة. والتاريخ مليء بقوانين كانت نافذة وواجبة التطبيق، بينما قامت في جوهرها على التمييز أو حرمان قطاعات من المجتمع من حقوقها.
والقانون لا يصدر في فراغ. يكتب داخل بنية سياسية واجتماعية، ويتأثر بمن يملكون القدرة على الوصول إلى عملية التشريع والتأثير فيها. لذلك لا يكفي النظر إلى صياغة النص لفهمه؛ علينا أيضًا النظر إلى الظروف التي أنتجته والمصالح التي يعيد تنظيمها.
الدولة السلطوية لا تحتاج إلى إلغاء القانون كي تمارس القمع. يمكنها أن تستخدمه لتنظيمه ومنحه شكلًا من المشروعية. يصدر قانون لتنظيم الجمعيات الأهلية، ثم تستخدم القيود الواردة فيه للحد من التنظيم. وتعدل قوانين الإعلام بينما تظل المنابر الأساسية خاضعة للسيطرة. في هذه الحالات تصبح عبارة «نحن نحترم القانون» محدودة القيمة، لأن السؤال يتعلق بالقانون نفسه وبالحقوق التي يتيحها أو يقيدها.
هذه البنية القانونية لم تتشكل دفعة واحدة. تراكمت عبر عقود من التحولات السياسية والاقتصادية. ومن المحطات المهمة تحولات التسعينيات، مع تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي عام 1991، وما صاحبه من خصخصة وتراجع في الدور الاجتماعي للدولة وصعود قوى اقتصادية جديدة ارتبطت بالحزب الحاكم.
وفي هذه البيئة حاولت قوى مدنية ونقابية وإعلامية الحفاظ على مساحات محدودة للحركة. ورغم ضيق المجال المتاح أمام الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، استطاعت منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية وبعض وسائل الإعلام والحركات الطلابية والاحتجاجية أن تحافظ على وجود داخل المجال العام.
لم يكن هذا الوجود ثابتًا أو واسعًا. تشكل عبر موجات متقطعة من الاحتجاج والتفاوض، واستفاد في فترات مختلفة من مساحات نسبية داخل الصحافة والقضاء والنقابات، مع بقاء سقف سياسي وأمني واضح.
وصل هذا المسار إلى لحظة مختلفة مع ثورة يناير 2011. اتسع المجال العام بصورة كبيرة، وظهرت قوى وتنظيمات ومبادرات جديدة، وأصبحت العلاقة بين المجتمع والسلطة أكثر انفتاحًا على الصراع العلني. لكن هذا الوضع لم يستمر.
بعد 2013 بدأت مرحلة أكثر قسوة في التعامل مع المجال العام. توسعت القيود القانونية والأمنية، وتراجعت المساحات التي كانت تسمح للمنظمات والنقابات والصحافة والحركات السياسية بالعمل، وأصبح القانون نفسه أحد الأدوات الرئيسية في إعادة تحديد ما يمكن فعله داخل المجال العام.
ظهرت هذه السياسة في مجموعة من التشريعات، من بينها قوانين الجمعيات الأهلية ومكافحة الإرهاب ومكافحة جرائم تقنية المعلومات. تأثير هذه القوانين تجاوز الأفعال التي يفترض أنها تنظمها، لأنها وسعت في الوقت نفسه قدرة السلطة على التدخل في التنظيم والتعبير والعمل العام.
المشكلة لا تتعلق بوجود تنظيم قانوني لهذه المجالات في حد ذاته. أي مجتمع يحتاج إلى قوانين تنظم عمل الجمعيات أو التعامل مع الجرائم أو استخدام التكنولوجيا. السؤال يتعلق بحدود التجريم، واتساع التعريفات، والسلطات التي تمنحها النصوص للأجهزة التنفيذية، والضمانات المتاحة لمن تطبق عليهم.
إلى جانب التشريع ظهرت ممارسات أصبحت جزءًا أساسيًا من إدارة القضايا السياسية، وعلى رأسها الحبس الاحتياطي المطول والتدوير.
الحبس الاحتياطي يفترض في الأصل أن يكون إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بضرورات التحقيق، لكنه استخدم في قضايا الرأي والتعبير لفترات طويلة، فأصبح في حالات كثيرة عقوبة فعلية تسبق المحاكمة. قضايا مثل محمد أكسجين وعلا القرضاوي أظهرت كيف يستطيع الاحتجاز أن يمتد لسنوات من دون صدور حكم قضائي نهائي.
ويظهر الأمر بصورة أكثر وضوحًا في التدوير، حيث يواجه بعض المحبوسين قضايا جديدة بعد صدور قرارات بإخلاء سبيلهم، فيستمر احتجازهم باتهامات جديدة. هنا لا تكمن المشكلة في النص القانوني وحده، وإنما في الطريقة التي تستخدم بها الإجراءات القانونية لإبقاء الشخص رهن الاحتجاز.
وهذا يضع النيابة والقضاء في قلب النقاش. فالضمانة القضائية تفقد جزءًا من معناها إذا صدر قرار بإخلاء سبيل شخص ثم وجد نفسه في قضية جديدة قبل تنفيذ القرار. المسألة تتعلق بقدرة مؤسسات العدالة على فرض قراراتها وعلى حماية الأفراد من استخدام الإجراءات نفسها كوسيلة لاستمرار العقاب.
ولا يقتصر استخدام القانون على المجال السياسي المباشر.
النقاش حول تعديل قانون الإيجار القديم مثال آخر على العلاقة بين القانون وموازين القوة الاجتماعية. إعادة تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر تمس ملايين الأشخاص ومصالح متعارضة تراكمت عبر عقود. التعامل معها بمنطق السوق وحده يضع حق السكن في مواجهة حق الملكية من دون معالجة كافية للفوارق الاجتماعية وقدرة السكان على تحمل النتائج.
القانون هنا لا يوزع الحقوق في مساحة مجردة. أي تعديل سيعيد توزيع أعباء ومكاسب فعلية بين مجموعات اجتماعية مختلفة. ولهذا تصبح طريقة إعداد القانون، والنقاش المجتمعي حوله، والبدائل المتاحة لمن سيتضررون منه، جزءًا من تقييم عدالته.
وامتد استخدام القانون أيضًا إلى الحياة الخاصة تحت عناوين مثل «حماية القيم». أبرز الأمثلة قضايا عرفت إعلاميًا بقضايا «فتيات تيك توك»، ومن بينها قضايا حنين حسام ومودة الأدهم. استخدمت في هذه القضايا اتهامات مرتبطة بـ«القيم والمبادئ الأسرية»، وأصبح السلوك الشخصي والمحتوى المنشور على الإنترنت موضوعًا للتجريم.
تكشف هذه القضايا مشكلة التعريفات الفضفاضة. ما المقصود بالقيم الأسرية؟ ومن يحددها؟ وما الحد الفاصل بين فعل يسبب ضررًا يستوجب تدخل القانون وبين سلوك ترفضه قطاعات من المجتمع لأسباب أخلاقية؟
وتظهر المشكلة نفسها في استخدام تهمة «ازدراء الأديان». وجود نص يسمح للدولة بالتدخل في التعبير الديني والفكري يضعها في موقع تحديد الحدود المقبولة للاعتقاد والنقد. ويصبح القانون هنا جزءًا من إدارة المجال الديني وما يمكن التعبير عنه داخله.
كل هذه الأمثلة تعيدنا إلى موقع القضاء داخل المنظومة.
شهدت السنوات التالية لعام 2013 تعديلات دستورية وتشريعية مست جوانب من إدارة الهيئات القضائية وعلاقتها بالسلطة التنفيذية. وفي الوقت نفسه، توسع استخدام القضاء والنيابة في القضايا السياسية وقضايا التعبير.
لذلك يصبح استقلال القضاء أكثر من مسألة تتعلق بوضع القضاة داخل مؤسساتهم. قيمته تظهر في قدرة القضاء على مراجعة قرارات السلطة التنفيذية، وحماية الحقوق، ووقف استخدام النصوص والإجراءات بطريقة تعسفية. وإذا ضعفت هذه القدرة، يظل الشكل القضائي قائمًا بينما تتراجع وظيفته كضمانة في مواجهة السلطة.
ويزداد الأمر تعقيدًا بسبب موقف شركاء مصر الدوليين.
فخلال السنوات التي توسعت فيها القيود على المجال العام، استمرت علاقات مصر العسكرية والاقتصادية والسياسية مع دول غربية عديدة. وتداخلت في هذه العلاقات ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة والأمن الإقليمي والمصالح الاقتصادية.
هذا يكشف حدود الخطاب الدولي عن حقوق الإنسان. فالدول التي تتحدث عن الحقوق والحريات تتحرك أيضًا وفق مصالحها، وقد تتراجع هذه القضايا في ترتيب الأولويات عندما تتعارض مع اعتبارات أمنية أو اقتصادية.
ولا يمنح هذا السلطة في مصر شرعية بديلة، لكنه يقلل الضغوط الخارجية المرتبطة بانتهاكات الحقوق. كما يكشف أن القانون وحقوق الإنسان على المستوى الدولي أيضًا لا يعملان بعيدًا عن موازين القوة والمصالح.
في النهاية، لا تكفي عبارة «احترام القانون» لفهم ما يجري.
هناك دائمًا أسئلة تسبقها: من وضع القانون؟ وفي أي سياق؟ وما الحقوق التي يحميها؟ وما السلطات التي يمنحها؟ وعلى من يطبق؟ وهل يستطيع المواطن استخدام القانون في مواجهة السلطة بالقدر نفسه الذي تستطيع السلطة استخدامه في مواجهته؟
هذه الأسئلة لا تعني أن القانون بلا قيمة. على العكس، وجود قواعد واضحة وضمانات قضائية وإجرائية ضروري لحماية الحقوق. لكن قيمة القانون ترتبط بقدرته على تقييد السلطة أيضًا، وليس فقط بقدرته على إلزام المواطنين.
ولهذا يظل توثيق ما جرى باسم القانون مهمًا. فالقوانين التي صدرت، والطريقة التي طبقت بها، والقضايا التي استخدمت فيها، كلها جزء من تاريخ العلاقة بين السلطة والمجتمع.
وفهم هذا التاريخ ضروري إذا أردنا التمييز بين القانون بوصفه ضمانة للحقوق، والقانون عندما يصبح أداة لتقييدها.
28 مايو 2025



