عندما يكون القمع قانونًا، تبدو الصورة واضحة: سلطة تضع الحدود، ونصوص تستخدم لمعاقبة أصحاب الرأي، وأجهزة تترجم الكلام إلى اتهامات. لكن المنع لا يأتي دائمًا من نص قانوني. هناك قيود يصنعها العرف، ورقابة تبدأ بامتعاض معلن أو غضب جماعي، ثم تتحول أحيانًا إلى ضغط حقيقي على صاحب الرأي.
في هذه الحالات لا توجد جهة تصدر حكمًا، لكن هناك إقصاء وضغط ومطالبات بالصمت، تستند غالبًا إلى الدفاع عن الأخلاق أو الصالح العام أو الهوية. وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا مع التقاء هذه الضغوط بأدوات الدولة، فيتحول الغضب الاجتماعي إلى بلاغ أو تحقيق أو قرار بالمنع.
الرقابة الاجتماعية لا تملك قوة الدولة. الدولة تملك القانون والشرطة والنيابة والسجن، وهي القادرة في النهاية على تحويل الكلام إلى قضية وعقوبة. لكن الضغط الاجتماعي قد يكون مقدمة لتدخلها، وقد توفر اللغة الأخلاقية مبررًا للعقاب القانوني.
الغضب نفسه جزء من حرية التعبير. من حق الناس الاعتراض على ما يقال، وانتقاده بقسوة، والدعوة إلى مقاطعة صاحبه. المشكلة تبدأ مع الانتقال من الرد على الكلام إلى محاولة إسكات صاحبه، خصوصًا مع استدعاء مؤسسات الدولة للتدخل والعقاب. تغريدة أو حملة غاضبة أو بلاغ باسم حماية المجتمع قد تصبح بداية لتحقيق رسمي، وما بدأ باعتباره خلافًا حول كلام يتحول إلى قضية تستخدم فيها نصوص فضفاضة عن القيم الأسرية أو النظام العام.
نقد الرقابة الاجتماعية لا يعفي الدولة من مسؤوليتها. الغضب المجتمعي قد يدفع كاتبًا إلى تعديل كلامه أو الانسحاب من نقاش، بينما تستطيع النيابة أن تحبسه. والتشهير قد يفقد شخصًا جزءًا من جمهوره، بينما تستطيع العقوبة القانونية أن تسلبه حريته. المشكلة في المسار الذي يصل بين الاثنين: غضب يطالب بالعقاب، وسلطة تملك أدوات تنفيذه.
الرقابة الاجتماعية امتداد ثقافي وليست سلطة بديلة
الرقابة الاجتماعية ليست ظاهرة جديدة في السياق المصري. لها جذور في الأسرة والتعليم والدين والعلاقات الأبوية. لفترات طويلة لم يُنظر إلى التعبير باعتباره حقًا فرديًا بالكامل. هناك دائمًا أسئلة عما يجوز قوله، وأمام من، وفي أي وقت. وكان «العيب» و«الناس هتقول إيه» قادرين على فرض حدود لا تحتاج إلى نصوص قانونية.
هذه الرقابة كانت فعالة لأنها تعتمد على التوقعات الاجتماعية. الشخص يعرف مسبقًا ما الذي قد يترتب على كلامه داخل الأسرة أو مكان العمل أو محيطه الاجتماعي، فيمارس قدرًا من الرقابة على نفسه.
وسائل التواصل الاجتماعي نقلت جانبًا كبيرًا من هذه الرقابة إلى المجال العام. ما كان يحدث داخل دوائر محدودة أصبح علنيًا وسريعًا، وأصبح من الممكن خلال ساعات أن تتشكل حملة واسعة ضد شخص بسبب تصريح أو صورة أو عمل فني.
لكن وجود حملة غاضبة لا يجعلها في ذاتها شكلًا من أشكال القمع. من حق الناس أن يغضبوا، وأن ينتقدوا، وأن يردوا، وحتى أن يقرروا عدم شراء منتج أو متابعة فنان أو كاتب. حرية التعبير لا تمنح صاحب الكلام حقًا في ألا يتعرض للنقد، ولا تمنحه حقًا في جمهور أو قبول اجتماعي دائم.
الفارق يظهر مع الانتقال من «هذا الكلام سيئ وأرفضه» إلى «يجب منع هذا الشخص من الكلام»، ومن النقد إلى التهديد أو المطالبة بفصله من عمله أو إلغاء فعالية يشارك فيها. ويصبح الأمر أكثر خطورة مع استدعاء أجهزة الدولة لمعاقبته.
لذلك لا يساعد وصف كل ضغط اجتماعي بأنه «رقابة». هناك فرق بين النقد، حتى إذا كان حادًا أو ظالمًا، وبين استخدام الضغط لمنع شخص من التعبير. والأهم هو التمييز بين الاثنين وبين استدعاء سلطة القانون لمعاقبته.
من المسؤول ومن يحدد الضرر؟
في مصر تتكرر أحيانًا سلسلة مألوفة: تصريح أو عمل يثير غضبًا، تبدأ حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر بلاغات تتحدث باسم المجتمع أو الأخلاق أو القيم، ثم تتحول القضية إلى تحقيق رسمي.
هنا يصبح تعريف الضرر مسألة أساسية.
كل تعبير تقريبًا يمكن أن يزعج شخصًا ما، وقد يكون الانزعاج مفهومًا ومشروعًا. لكن وجود أشخاص يشعرون بالإهانة لا يقدم وحده معيارًا كافيًا للتجريم. وإلا أصبحت مساحة التعبير مرهونة بالمجموعة الأكثر قدرة على إعلان غضبها أو الوصول إلى مؤسسات الدولة.
وهذا الخطر لا يصيب أصحاب الآراء الصادمة فقط. المعايير الفضفاضة التي تستخدم باسم الأخلاق أو حماية المجتمع يمكن استخدامها ضد النساء والأقليات والفئات المهمشة نفسها. فما يبدو في واقعة معينة أداة لحماية مجموعة من خطاب جارح قد يصبح في واقعة أخرى أداة لمعاقبة أفراد المجموعة نفسها على كلامهم أو سلوكهم.
هناك تعبير يتضمن تهديدًا حقيقيًا، وهناك تحريض على العنف، وهناك تشهير يمكن تحديد الضرر الناتج عنه. وفي المقابل توجد آراء مستفزة أو مهينة أو غبية، وقد تستحق ردًا قاسيًا. تحويلها تلقائيًا إلى مسألة تستدعي العقوبة يوسع سلطة المنع بصورة يصعب التحكم فيها لاحقًا.
النقاش والرد والنقد تظل الأدوات الأساسية في مواجهة الجزء الأكبر من هذا الكلام. العقوبة تحتاج إلى ضرر محدد ومعيار واضح، ولا يكفي لتبريرها وجود غضب عام.
اعتياد مطالبة السلطة بالتدخل في كل خلاف حول الكلام يمنحها مساحة أوسع لتحديد ما يجوز قوله. وقد تبدو النتيجة مرضية إذا عاقبت شخصًا نختلف معه، لكن الأداة نفسها تظل في يد السلطة ويمكن استخدامها في القضية التالية ضد شخص نتفق معه.
وهذا ما يجعل الدفاع عن حرية التعبير صعبًا في بعض الأحيان. يمكن أن يكون الكلام مستفزًا أو رديئًا، ويمكن نقده ورفضه بشدة، من دون تحويل هذا الرفض إلى مطالبة بالحبس أو المنع.
القيود القانونية تظل الخطر الأكبر في مصر. السلطة تملك القدرة على القبض والتحقيق والحبس وإغلاق المواقع ومنع الأعمال. لكن تجاهل المسار الذي ينتقل فيه الغضب من المجتمع إلى البلاغ ثم إلى النيابة يجعلنا نفقد جزءًا مهمًا من الصورة.
والمسؤولية النهائية تقع على الجهة التي تملك سلطة العقاب. وجود حملة تطالب بالحبس لا يجبر الدولة على الاستجابة لها، ووجود أشخاص يشعرون بالإهانة لا يعفي النيابة أو المحكمة من مسؤوليتها. المشكلة أن اللغة الاجتماعية عن الأخلاق والقيم والصالح العام تجد ما يقابلها في نصوص قانونية تستخدم مفاهيم فضفاضة مشابهة، فيصبح الانتقال من الغضب إلى العقوبة أسهل.
حرية التعبير تحتاج إلى قوانين تحميها، وتحتاج أيضًا إلى قبول أن وجود كلام نرفضه لا يعني بالضرورة أن نطلب من السلطة منعه.
يمكن الاعتراض والرد والمقاطعة والنقد، ويمكن للناس أن يخوضوا معارك قاسية حول الأفكار والقيم وما يعتبرونه مقبولًا في المجال العام. الأهم أن يبقى الفارق واضحًا بين الرد والعقاب، وبين النقد واستدعاء الدولة.
فكل مرة نلجأ فيها إلى القانون لإسكات كلام نكرهه، نوسع مساحة سلطة يمكن أن تستخدم في المرة التالية ضد كلام نريد نحن أن نقوله.



