هل الحكم عنوان الحقيقة؟ تفكيك الشعارات المقدسة حول القضاء

Facebook
Twitter

في خطاب السلطة، وفي صفحات الصحف، وفي قاعات المحاكم أحيانًا، تتردد عبارة «الحكم عنوان الحقيقة» باعتبارها جملة تحسم النقاش. تظهر بعد الأحكام التي تثير جدلًا عامًا، خصوصًا عندما تستمر الشكوك حول الوقائع أو إجراءات التحقيق والمحاكمة. وبمجرد صدور الحكم، يصبح الاعتراض عليه أو مناقشته عند البعض نوعًا من التشكيك في القضاء.

لكن العبارة في أصلها القانوني لها معنى أكثر تحديدًا. الحكم النهائي الصادر عن محكمة مختصة يتمتع بحجية قانونية، ويلزم أطراف النزاع، وعلى مؤسسات الدولة احترامه وتنفيذه. هذه الحجية ضرورية لاستقرار المعاملات والمراكز القانونية، فمن غير الممكن أن تظل المنازعات مفتوحة إلى ما لا نهاية.

هذا هو معنى الحقيقة القضائية. المحكمة تفصل في النزاع بناءً على الأوراق والأدلة التي عرضت عليها، ووفق الإجراءات والقواعد القانونية التي تحكم القضية. ما تصل إليه يصبح ملزمًا من الناحية القانونية بعد استنفاد طرق الطعن المقررة.

المشكلة تبدأ عندما تنتقل العبارة من هذا المعنى المحدد إلى معنى آخر: أن ما انتهى إليه الحكم هو بالضرورة الحقيقة الكاملة لما حدث، وأن صدوره يغلق أيضًا باب النقاش العام حول القضية.

التاريخ القضائي نفسه يقول إن الأمر أكثر تعقيدًا. هناك أحكام ثبت بعد سنوات أنها قامت على أدلة خاطئة أو اعترافات انتزعت بالإكراه أو تحقيقات معيبة، وأحكام جرى تصحيحها بعد ظهور أدلة جديدة. وهناك أحكام بقيت قائمة رغم استمرار الجدل حول الوقائع التي صدرت بشأنها.

القضاء يعمل بأدوات بشرية. هناك تحقيق وأدلة وشهود ودفاع وقضاة وقواعد إجرائية. وكل عنصر من هذه العناصر يؤثر في النتيجة التي تصل إليها المحكمة. لذلك فإن حجية الحكم شيء، وافتراض عصمته من الخطأ شيء آخر.

وفي مصر توجد قضايا انتهت قضائيًا بينما بقي النقاش حولها مفتوحًا. هناك وقائع تعذيب لم تصل أصلًا إلى المحاكمة، وقضايا قتل أثارت أحكامها جدلًا واسعًا، وأحكام إدانة اعتمدت بدرجات مختلفة على تحريات أمنية. صدور الحكم ينهي النزاع القضائي في مرحلة معينة، لكنه لا يمحو الأسئلة المتعلقة بالتحقيق والأدلة والإجراءات.

من حق المجتمع أن يناقش هذه الأسئلة.

القضاء سلطة عامة، والأحكام التي يصدرها تؤثر في حياة الناس وحرياتهم، وفي بعض القضايا قد تنتهي بسلب الحرية لسنوات أو بالحكم بالإعدام. لذلك يصعب تصور أن يكون احترام القضاء قائمًا على منع مناقشة ما يصدر عنه.

الثقة في القضاء لا تحتاج إلى الصمت. تحتاج إلى أحكام يمكن قراءتها ومناقشة أسبابها، وإلى إجراءات يستطيع المجتمع الاطمئنان إلى عدالتها.

«لا تعليق على أحكام القضاء»: حين يتحول الاحترام إلى صمت مفروض

هناك عبارة أخرى تتكرر مع «الحكم عنوان الحقيقة»: «لا تعليق على أحكام القضاء».

لها هي الأخرى سياق مفهوم. المسؤول التنفيذي، على سبيل المثال، لا يفترض أن يهاجم قاضيًا بسبب حكم لم يعجبه أو يمارس ضغطًا عليه لتغيير اتجاهه. واحترام استقلال القضاء يفرض قيودًا على تدخل السلطات الأخرى في عمله.

لكن العبارة تستخدم في المجال العام بمعنى أوسع بكثير. تتحول أحيانًا إلى مطالبة للصحفي والباحث والمحامي والمواطن بالتوقف عن مناقشة الحكم بمجرد صدوره.

وهذا خلط بين احترام الحكم وبين مناقشته.

تنفيذ الحكم واجب وفقًا للقانون ما دام قائمًا. أما مناقشة أسبابه والأدلة التي اعتمد عليها والإجراءات التي سبقته ومدى اتفاقه مع القانون والدستور، فهي جزء طبيعي من النقاش القانوني والعام. وإلا لما كان هناك معنى للدراسات القانونية التي تنتقد الأحكام، أو للجدل الفقهي حول اتجاهات المحاكم، أو حتى لتغير المبادئ القضائية نفسها بمرور الوقت.

في مصر تأخذ المسألة بعدًا آخر بسبب الاستخدام الواسع لمفاهيم مثل «هيبة القضاء» و«عدم التعليق على الأحكام». فبدل أن يظل المقصود حماية القاضي من الضغط والتدخل، يمتد الأمر أحيانًا إلى حماية المؤسسة وما يصدر عنها من النقد.

وهنا يصبح الحد الفاصل مهمًا. هناك فارق بين نقد حكم قضائي والهجوم الشخصي على القاضي، وبين تحليل أسباب الحكم وتهديد المحكمة، وبين الاعتراض على النتيجة والتحريض على عدم تنفيذها.

تجاهل هذه الفروق يحول «احترام القضاء» إلى مساحة واسعة يمكن استخدامها لإبعاد الأحكام عن النقاش العام.

وتظهر المشكلة بصورة أوضح في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي، خصوصًا عندما تكون أجهزة الدولة طرفًا في الوقائع أو التحقيقات. في هذه الحالات لا تبدأ القضية من لحظة دخولها المحكمة. يسبقها قبض وتحقيق وجمع أدلة وتحريات وقرارات من النيابة، وقد يسبقها أيضًا خطاب إعلامي واسع حول المتهمين.

الحكم يأتي في نهاية هذه السلسلة. ولذلك فإن مناقشته قد تكون في الوقت نفسه مناقشة لكل ما سبقه.

وفي بعض القضايا تكون المشكلة في القانون الذي تطبقه المحكمة أصلًا. القاضي قد يكون مقيدًا بنص تشريعي يضيّق مساحة حرية التعبير أو يوسع التجريم. هنا يصبح النقاش حول الحكم مدخلًا أيضًا لنقاش القانون نفسه.

استخدام «لا تعليق على أحكام القضاء» لإغلاق كل هذه المساحات لا يحمي استقلال القضاء. هو يمنع المجتمع من مناقشة واحدة من أهم السلطات التي تؤثر في حقوقه وحرياته.

بين القانون والعدالة

هناك خلط آخر يظهر كثيرًا في النقاش حول الأحكام: الخلط بين قانونية الحكم وعدالته.

الحكم يصدر في إطار قانون قائم. المحكمة تطبق نصوصًا، وتفحص أدلة، وتتبع إجراءات، ثم تصل إلى نتيجة. لكن القانون نفسه ليس محايدًا دائمًا، والنص القانوني يمكن أن يكون محل اعتراض من زاوية الحقوق والعدالة.

هذه مسألة يعرفها تاريخ القانون جيدًا. وجود نص تشريعي لا يجعل مضمونه عادلًا تلقائيًا. قوانين كثيرة ميزت بين الناس، أو قيدت حقوقهم، أو منحت السلطات صلاحيات واسعة، وكانت مع ذلك قوانين نافذة تطبقها المحاكم.

لذلك يمكن أن يكون النقاش حول حكم ما موجهًا إلى أكثر من مستوى: هل طبقت المحكمة القانون تطبيقًا صحيحًا؟ هل كانت إجراءات المحاكمة عادلة؟ هل الأدلة كافية؟ وهل القانون الذي طبقته المحكمة نفسه متوافق مع الحقوق التي يفترض أن يحميها؟

هذه أسئلة مختلفة، ولا يكفي للرد عليها أن نقول إن حكمًا صدر.

العدالة تحتاج إلى ضمانات واضحة: تحقيق نزيه، وحق كامل في الدفاع، وعلنية للمحاكمة، وقاض مستقل، وإمكانية حقيقية للطعن، ومساواة بين الخصوم في الوصول إلى العدالة. وكلما ضعفت هذه الضمانات، أصبح من الضروري أن تظل الأحكام مفتوحة للنقد والمراجعة العامة.

والنقد هنا لا يفترض أن كل حكم محل اعتراض هو حكم جائر. كما أن الرأي العام نفسه قد يخطئ، وقد يطالب بعقوبات أقسى، وقد يتعامل مع المتهم باعتباره مدانًا قبل أن تبدأ المحاكمة. استقلال القضاء يحمي المتهم أيضًا من ضغط الجمهور والإعلام.

لهذا فإن الدفاع عن حق المجتمع في نقد الأحكام يجب ألا يتحول إلى مطالبة القاضي بإصدار الحكم الذي يرضي الرأي العام. المطلوب أن يكون الحكم قابلًا للفحص: نعرف أسبابه، ونناقش منطقه، ونراجع الأدلة والإجراءات التي استند إليها، ونختلف معه من دون أن يتحول الاختلاف في ذاته إلى اعتداء على القضاء.

هذه المساحة من النقاش مهمة للقضاء نفسه. المبادئ القضائية تتطور بالنقد، والأحكام تتغير في درجات الطعن، والمحاكم قد تعدل عن اتجاهات سابقة. فكرة المراجعة موجودة أصلًا داخل النظام القضائي، ومن الصعب في الوقت نفسه مطالبة المجتمع بالتعامل مع كل حكم باعتباره حقيقة نهائية خارج النقاش.

عبارة «الحكم عنوان الحقيقة» لها إذن حدودها. هي مفهومة عندما تشير إلى حجية الأحكام وضرورة استقرار المراكز القانونية. المشكلة تبدأ عندما تستخدم لمنح الحكم سلطة تتجاوز حجيته القانونية، أو لإغلاق النقاش حول التحقيق والمحاكمة والأدلة والقانون الذي طبق.

والأمر نفسه ينطبق على «لا تعليق على أحكام القضاء». احترام استقلال القضاء ضروري، لكن استقلاله لا يضع ما يصدر عنه خارج المجال العام.

الحكم قد ينهي قضية أمام محكمة، بينما تظل الأسئلة التي أثارتها القضية موجودة. ويمكن أن يكون احترام القضاء نفسه سببًا لمناقشة هذه الأسئلة، لأن مؤسسة لا يمكن نقدها يصعب معرفة أخطائها أو تصحيحها.

القاهرة في 17 يوليو 2025