السؤال يبدو بسيطًا، لكن الإجابة عليه تحدد مصير حرية تداول المعلومات لسنوات قادمة. موقفي الرافض لإصدار قانون لتداول المعلومات الآن لا يعني التنازل عن الحق أو الانسحاب من الدفاع عنه. على العكس، هو نابع من الخوف من أن يصدر قانون يفرغ الحق من مضمونه، ويحول القيود القائمة إلى قواعد قانونية يصعب تغييرها لاحقًا.
المعلومة ليست مسألة إدارية أو تقنية فقط. هناك دائمًا سؤال يتعلق بمن يمتلكها، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يملك قرار الحجب أو الإفصاح عنها. لذلك لا يمكن فصل قانون تداول المعلومات عن البيئة السياسية والقانونية التي سيعمل داخلها.
إذا كانت القرارات التنفيذية محاطة بالسرية، والرقابة الفعلية محدودة، والاستثناءات واسعة، فلن يكون وجود قانون في حد ذاته ضمانة للحق. قد تصبح النتيجة تنظيم الحجب بدلًا من توسيع الإتاحة.
لا أكتب هذا من موقع المراقب. موقفي مرتبط بتجربة مباشرة بدأت في 2011، من المشاركة في إعداد مسودة حقوقية مستقلة، ثم جلسات التفاوض مع مركز دعم واتخاذ القرار، ولاحقًا مع وزارة العدل عندما طُلبت مساهمات من المجتمع المدني.
وفي أكثر من محطة ظهرت المشكلات نفسها: اتساع الاستثناءات، والمفاهيم الفضفاضة وعلى رأسها «الأمن القومي»، والخلاف حول استقلال الجهة المسؤولة عن الرقابة على تنفيذ القانون.
لهذا لا أرى أن المطالبة بتأجيل إصدار القانون تعني تعطيل الإصلاح. السؤال بالنسبة لي هو: أي قانون سيصدر، وفي أي بيئة، وما الضمانات التي ستمنع استخدامه في تقنين الحجب؟
من خبرة الصياغة إلى تجربة التفاوض: دروس من الماضي
بعد ثورة يناير أصبح الحق في الوصول إلى المعلومات واحدًا من المطالب المرتبطة بالشفافية وإعادة بناء العلاقة بين المؤسسات العامة والمواطنين. عقود من السرية وصعوبة الوصول إلى الوثائق والبيانات جعلت وجود قانون ينظم هذا الحق مطلبًا طبيعيًا.
في عام 2011 شاركت مع مجموعة من المنظمات الحقوقية والخبراء القانونيين في إعداد مسودة مستقلة لقانون تداول المعلومات. كان الهدف صياغة نموذج مصري يستفيد من التجارب المقارنة، ومنها تونس وجنوب أفريقيا والمكسيك، ويتعامل في الوقت نفسه مع الواقع المصري.
انطلقت المسودة من مبدأ أساسي: المعلومات الموجودة لدى الجهات العامة مورد عام، والإفصاح هو الأصل، والحجب استثناء يحتاج إلى مبرر محدد.
تضمنت المسودة آليات للنشر الاستباقي، وحدودًا للاستثناءات، ومحاولة لضبط مفاهيم مثل «الأمن القومي»، إلى جانب حماية المبلغين وإتاحة الطعن على قرارات رفض الإفصاح.
ظل هذا المشروع داخل نطاق المجتمع المدني، ولم يتحول إلى أساس للمشروعات الرسمية التي ظهرت بعد ذلك. ومع ظهور مسودات أخرى وجلسات استماع شاركت في بعضها، ظل الخلاف نفسه حاضرًا: هل الهدف من القانون ضمان حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، أم تحديد الحدود التي تستطيع المؤسسات من خلالها الاستمرار في الحجب؟
ظهرت المشكلة بصورة أوضح عندما أطلقت وزارة العدل مشروعها، وتلقيت دعوة للمشاركة في مراجعته، ونسقت لقاءات بين ممثلين عن الوزارة وعدد من المنظمات الحقوقية.
كانت هناك مساحة للنقاش، لكن الخلافات حول جوهر القانون ظلت قائمة. الاستثناءات كانت واسعة، ومفهوم «الأمن القومي» لم يكن محددًا بما يكفي، وكانت هناك جهات مستثناة من الخضوع للقانون، كما ظل استقلال الجهة التي ستراقب التنفيذ محل خلاف.
ومع تغير المسؤولين الحكوميين عن الملف، كنا نعود أحيانًا إلى مناقشة مسائل سبق طرحها. بالنسبة لي، كشفت هذه التجربة أن المشكلة لا تتعلق فقط بجودة الصياغة القانونية. البيئة التي ينتج فيها القانون، وموازين القوى بين الجهات التي تريد الإفصاح وتلك التي تريد الاحتفاظ بالسرية، تحدد جانبًا كبيرًا من مضمونه.
هذه الخبرة هي أحد أسباب موقفي الحالي. وجود نص يسمى «قانون تداول المعلومات» لا يكفي. المهم هو القاعدة التي ينطلق منها: هل المعلومات حق للمواطن والحجب استثناء، أم أن المؤسسات تظل صاحبة المعلومات وتقرر ما تسمح للناس بمعرفته؟
أين يكمن الخطر الآن؟
يُقدم إصدار قانون لتداول المعلومات عادة باعتباره خطوة إصلاحية تأخرت طويلًا. وهناك حجة تستحق التعامل معها بجدية تقول إن وجود قانون، حتى لو كان ناقصًا، أفضل من استمرار الفراغ، وإن النص يمكن تطويره لاحقًا.
المشكلة أن هذا الافتراض ليس مضمونًا.
القانون الناقص قد يكون بداية يمكن البناء عليها فعلًا، لكنه قد يتحول أيضًا إلى سقف للحق، خصوصًا إذا منح الاستثناءات الواسعة أساسًا قانونيًا جديدًا. وما كان قبل صدوره محل خلاف يمكن أن يصبح بعده قاعدة تشريعية تستند إليها الجهات الرافضة للإفصاح.
لهذا لا يكفي بالنسبة لي أن يصدر القانون. ينبغي النظر إلى بنيته: كيف يعرف المعلومات التي يجوز حجبها؟ ما الجهات الخاضعة له؟ من يفصل في النزاع بين المواطن والجهة الإدارية؟ ما مدى استقلال هذه الجهة؟ وهل توجد وسيلة سريعة وفعالة للطعن على قرارات الحجب؟
المفاهيم الفضفاضة تمثل مشكلة مركزية هنا. عبارات مثل «الأمن القومي» و«المصلحة العليا» يمكن أن تكون لها ضرورة في التشريع، لكن تركها من دون ضوابط دقيقة يسمح بتوسيع نطاق الاستثناء بصورة قد تبتلع الأصل نفسه.
والأمر نفسه ينطبق على استثناء مؤسسات كاملة من الخضوع للقانون. إذا كانت هناك مساحات واسعة لا يصل إليها الحق أصلًا، يصبح من الصعب الحديث عن قانون يقوم على مبدأ الإفصاح.
ثم تأتي مسألة الجهة الرقابية. إذا كانت المؤسسة التي تنظر في رفض الإفصاح غير مستقلة عن السلطة التنفيذية، تصبح قدرة المواطن على الاعتراض محدودة، حتى لو كان النص نفسه يتضمن حقًا نظريًا في الحصول على المعلومات.
هذه ليست مخاوف تتعلق بالصياغة وحدها. لدينا بالفعل منظومة تشريعية تتضمن قيودًا مختلفة على النشر والتعامل مع الوثائق والمعلومات. لذلك فإن قانون تداول المعلومات لن يعمل منفردًا، وإنما داخل شبكة من القوانين والإجراءات القائمة.
ومن هنا يأتي تخوفي من أن يتحول القانون الجديد إلى إضافة أخرى لهذه الشبكة بدلًا من أن يفتح ثغرة حقيقية فيها.
لهذا أرى أن تأجيل القانون قد يكون أفضل من إصدار نص يثبت الاستثناءات ويمنح الحجب أساسًا تشريعيًا أكثر وضوحًا. الموقف هنا ليس رفضًا لفكرة القانون، وإنما رفض لإصدار أي قانون لمجرد القدرة على القول إن مصر أصبح لديها قانون لتداول المعلومات.
المنطق الأمني مقابل منطق الحق
الخلاف الأساسي في قوانين تداول المعلومات يبدأ من تحديد الأصل والاستثناء.
هناك تصور يعتبر المعلومات الموجودة لدى المؤسسات العامة تحت سيطرة هذه المؤسسات، والإفصاح عنها قرارًا يخضع لتقديرها إلا في الحالات التي يفرض فيها القانون غير ذلك.
وفي المقابل، يقوم الحق في تداول المعلومات على تصور مختلف: المعلومات العامة تخص المجتمع، والإفصاح عنها هو الأصل، ولا يجوز الحجب إلا لأسباب محددة وضرورية وقابلة للمراجعة.
الفارق بين التصورين يظهر في التفاصيل.
إذا كان الإفصاح هو الأصل، فإن الجهة التي تريد حجب معلومة هي المطالبة بتبرير قرارها. والاستثناء يجب أن يكون محددًا، ولا يمتد أكثر مما تقتضيه الضرورة. ويجب أن يستطيع طالب المعلومة الاعتراض أمام جهة مستقلة.
أما إذا كانت السرية هي الأصل، فإن العبء ينتقل إلى المواطن: عليه أن يثبت لماذا يستحق المعلومة، بينما تحتفظ المؤسسة بسلطة واسعة في الرفض.
هذه ليست مسألة تخص حرية التعبير وحدها. الوصول إلى المعلومات ضروري للصحافة والبحث العلمي ومراقبة الإنفاق العام وتقييم السياسات ومحاسبة المؤسسات.
وفي هذا السياق أعود دائمًا إلى مقال خالد فهمي «الأمن القومي وعلب السردين». قيمة المثال الذي استخدمه ليست في طرافته فقط، وإنما في كشفه إلى أي مدى يمكن أن يتوسع مفهوم السرية عندما تصبح المؤسسة هي التي تحدد وحدها ما يدخل في نطاق الأمن القومي.
لهذا فإن السؤال بالنسبة لي لا يبدأ من: هل نريد قانونًا لتداول المعلومات؟ بالطبع نحتاج إلى إطار قانوني يحمي الحق. السؤال هو ما المبادئ التي سيقوم عليها هذا القانون، وما البيئة التي ستسمح له بأن يعمل لصالح الإفصاح لا لصالح السرية.
الحد الأدنى قبل أي قانون
إذا كان النقاش حول قانون تداول المعلومات جادًا، فهناك ضمانات أساسية يصعب تصور حق حقيقي من دونها.
أولها ضبط الاستثناءات والمفاهيم التي تستند إليها. «الأمن القومي» و«العلاقات الخارجية» و«المصالح العليا» لا يمكن تركها عبارات مفتوحة تسمح للجهة الإدارية بتوسيع الحجب كلما أرادت.
المطلوب ليس إلغاء كل استثناء. كل قوانين تداول المعلومات تقريبًا تعرف حالات يجوز فيها الحجب. المسألة هي تحديد هذه الحالات، وربطها بمعايير يمكن مراجعتها، ومنع تحول الاستثناء إلى قاعدة.
الشرط الثاني هو استقلال الجهة الرقابية.
لا معنى عمليًا لحق المواطن في الاعتراض على رفض طلبه إذا كانت الجهة التي تنظر في الاعتراض خاضعة للسلطة التنفيذية نفسها التي تحتفظ بالمعلومة. استقلال مفوض أو هيئة المعلومات يتعلق مباشرة بقدرتها على إلزام المؤسسات بالإفصاح ومراجعة قراراتها.
ثالثًا، النشر الاستباقي.
الحق في المعلومات لا ينبغي أن يتوقف على أن يعرف المواطن أولًا بوجود الوثيقة، ثم يتقدم بطلب، ثم ينتظر الرد. هناك أنواع من البيانات والمعلومات ينبغي على المؤسسات العامة نشرها دوريًا من تلقاء نفسها وبصيغ يمكن استخدامها.
كلما اتسع النشر الاستباقي، قلت الحاجة أصلًا إلى الطلبات الفردية، وأصبحت المعلومات جزءًا من العمل العادي للمؤسسات بدلًا من التعامل معها باعتبارها شيئًا لا يخرج إلا عند الطلب.
ثم تأتي حماية المبلغين.
من الصعب بناء منظومة حقيقية للشفافية إذا كان الشخص الذي يكشف مخالفة أو فسادًا معرضًا للملاحقة بسبب المعلومات التي كشفها. حماية المبلغين هنا ليست إضافة أخلاقية إلى القانون، وإنما إحدى ضمانات قدرته على العمل.
وأخيرًا، لا يمكن فصل القانون الجديد عن بقية المنظومة التشريعية.
إذا منح قانون تداول المعلومات حقًا في الوصول إلى وثيقة بينما تسمح نصوص أخرى بملاحقة من ينشرها أو يستخدمها، سيظل الحق محدودًا مهما كانت صياغة القانون جيدة.
لذلك تحتاج أي مناقشة جادة للقانون إلى مراجعة التعارضات مع التشريعات القائمة، وليس الاكتفاء بإضافة قانون جديد إليها.
هذه بالنسبة لي ليست شروطًا مثالية لقانون كامل. هي الحد الأدنى الذي يسمح بأن يكون هناك معنى عملي للقول إن الأصل هو الإفصاح وإن الحجب استثناء.
أخيرًا
الدفاع عن الحق في المعرفة لا يعني بالضرورة استعجال إصدار قانون يحمل اسمه. أحيانًا يكون السؤال الأصعب هو ما إذا كان النص المقترح سيزيد مساحة الحق فعلًا أم سيجعل القيود القائمة أكثر رسوخًا.
تجربتي مع محاولات صياغة القانون ومناقشته منذ 2011 هي أحد الأسباب التي تجعلني متشككًا في فكرة أن وجود أي قانون أفضل من غيابه. تعلمت من هذه التجربة أن التفاصيل التي تبدو فنية — تعريف الاستثناء، واستقلال جهة الرقابة، والنشر الاستباقي، والطعن، وحماية المبلغين — هي التي تحدد في النهاية ما إذا كنا أمام حق أم أمام إجراء إداري تتحكم فيه الجهات صاحبة المعلومات.
لهذا فإن موقفي من إصدار القانون الآن مرتبط بهذه الضمانات وبالبيئة التي سيطبق فيها.
أنا لا أرفض قانون تداول المعلومات. أرفض أن يصبح مجرد وجوده دليلًا على احترام الحق، بصرف النظر عما يقوله أو عن المؤسسات التي ستطبقه.
القانون الذي نحتاجه هو قانون يبدأ من أن المعلومات العامة حق، وأن على من يريد حجبها أن يبرر ذلك، وأن قرار الحجب يمكن مراجعته أمام جهة مستقلة، وأن الاستثناءات محددة وليست أبوابًا مفتوحة.
إذا لم تتوافر هذه الضمانات، يصبح التأجيل بالنسبة لي أفضل من إصدار قانون يصعب بعد ذلك انتزاع الحق من القيود التي وضعها بنفسه.
حماية الحق لا تبدأ من اسم القانون، وإنما من مضمونه والضمانات التي تجعل استخدامه ممكنًا.



