اقتصاد الخوف: السلطة التي تحكم بالنجاة

Facebook
Twitter

 

لم تعد السلطة في مصر تحكم بالقانون أو بالإقناع، بل بما يمكن تسميته اقتصاد الخوف: منظومة كاملة تُدار فيها الحياة اليومية بمزيج من التهديد والإذلال، تُوزَّع فيها النجاة كما تُوزَّع الرواتب، ويُصبح الأمان سلعة لا تُمنح إلا مقابل الصمت.

فالخوف لم يعد أثرًا جانبيًا للقمع، بل صار بنيته الداخلية؛ طريقة الحكم التي تُعيد إنتاج الولاء عبر الرعب، لا عبر الرضا. في هذا الاقتصاد، لا قيمة للحقوق أو الواجبات، بل للموقع الذي يشغله الفرد على سلّم الطاعة. من يمتثل ينجو، ومن يسأل يُعاقَب، ومن يخرج عن الدور يُمحى من المشهد ببطء، دون أن يُسجَّل اختفاؤه في الأوراق الرسمية.

بهذا المنطق، يتحول المواطن إلى مستهلك للنجاة. لا يطالب بالعدالة، بل بالستر؛ لا يسأل عن التوزيع العادل للثروة، بل عن نصيبه من الأمان. تُعاد صياغة العلاقة بين الدولة والناس على أساس جديد: ليست الدولة ضامنة للحماية، بل محتكرة لها.

فالأمن هنا ليس حقًا عامًا بل امتيازًا خاصًا، يُمنح وفق شروط الولاء. من يخضع للمنظومة ينال حظه من الطمأنينة المؤقتة، ومن يعترض يُدرج في فئة الخطرالتي يُباح قمعها بلا مساءلة.

لا يتجلى هذا الاقتصاد في مؤسسات القمع وحدها، بل في كل تفاصيل الحياة اليومية. في نظرة الموظف الذي يتحدث همسًا خوفًا من رؤسائه، في الطبيب الذي يكتب التقارير كما تريدها الجهة الأمنية، في المواطن الذي يخفي رأيه الحقيقي عن زملائه، وفي الصحفي الذي يُمارس الرقابة على نفسه قبل أن تفرضها عليه مؤسسته. الخوف هنا ليس شعورًا فرديًا بل نظام توزيع اجتماعي، له مراكز إنتاج وشبكات نقل وآليات استهلاك.

منذ التسعينيات، ومع تفكك البنية الاجتماعية للدولة، بدأ الخوف يتحول من أداة استثنائية إلى قاعدة حكم. لم يعد مجرد رد فعل على اضطراب سياسي، بل أصبح رأس مال سياسي بحد ذاته.

في ظل الانفتاح الاقتصادي والتراجع الاجتماعي، صار الاستقرار هو السلعة الوحيدة التي تبيعها الدولة وتعيش عليها. ومعها تشكلت علاقة جديدة بين الطبقات: الأغنياء يشترون الخوف عبر بوابات الأمن والحراسة، والفقراء يدفعون ثمنه في شكل إذلال يومي ومخاطر دائمة. في الحالتين، الكلفة واحدة: تنازل عن الوعي، وعن الحق في السؤال.

بهذا المعنى، لم تعد السلطة في حاجة إلى إنتاج الخوف مباشرة، لأنها نجحت في خصخصته. أصبح المجتمع نفسه هو من يعيد تدويره: المدير الذي يُرهب موظفيه، الأب الذي يخيف أبناءه من الدولة، الإعلامي الذي يحذّر من الفوضى، المواطن الذي ينصح جاره ما تتكلمش في السياسة“. هكذا يتحول الخوف إلى طاقة مُعادة الإنتاج، تغذّي نفسها بنفسها، وتغدو جزءًا من توازن الحياة اليومية لا استثناءً منها.

لم يكن الخوف في مصر يومًا مجرّد شعور نفسي عابر، بل جزءًا من معادلة مادية تُدار بها الحياة. فكما يُقسَّم الدخل والثروة والفرص، يُقسَّم الخوف بدقة لا تقل عنهم.

من يملك وسيلة لتجنّبه، يشتري الأمان: شقة في كمبوند محاط بالحراس، وظيفة في مؤسسة “محصّنة”، علاقات تمنع عنه الأذى. أما من لا يملك، فيدفع ثمن النجاة من جسده وكرامته وصمته. الخوف هنا ليس فقط وسيلة للضبط، بل هو عملة اجتماعية تُستخدم في تبادل المصالح.

تُدار قطاعات كاملة من الاقتصاد بمنطق الخوف. الموظف العام، مثلًا، لا يخضع للرقابة الإدارية بقدر ما يخضع لرقابة الخشية: الخوف من النقل أو الفصل أو البلاغ المجهول. ورجل الأعمال لا يلتزم بالقوانين لأن القانون عادل، بل لأن مخالفتها قد تفتح عليه أبواب الأجهزة. في الحالتين، الخوف هو الضامن الحقيقي لاستمرار النظام، لا النصوص. وهكذا يُعاد تعريف “الاستقرار” كنتاج للعجز، لا للنظام.

حتى السياسات الاقتصادية الكبرى تعمل بالمنطق ذاته. فحين تُرفع الأسعار أو تُلغى الإعانات، لا تُناقش القرارات في المجال العام، بل تُفرض كقدر لا فكاك منه. الدولة لا تخاطب المواطن كصاحب حق، بل كمستفيد من نعمة “الأمن” التي لا يجوز أن يهددها بالاعتراض. الخوف هنا يتحول إلى مورد سياسي: يُوظَّف لتبرير السياسات، كما يُستخدم لإسكات الاحتجاج.

وفي الوقت الذي تُشدّد فيه القبضة الأمنية، تتراجع شبكة الحماية الاجتماعية، فيبقى المواطن عاريًا إلا من خوفه. هكذا يتكوّن “اقتصاد النجاة”: كل فرد يبحث عن طريقة ليتفادى الغضب أو العقاب. من يسعى إلى ترخيص، وظيفة، سكن، أو حتى سرير في مستشفى، يتعلم أن النجاة لا تُطلب بالحق، بل تُنال بالولاء أو الصمت. الدولة لا تبيع خدماتها، بل تبيع الإعفاء من أذاها.

الخوف في هذا النظام لا يحتاج إلى عنف دائم، بل يكفي التلويح به. يكفي أن يعرف الجميع أن الاعتقال قد يحدث بلا سبب، وأن مصير من يختفي لا يُسأل عنه أحد، وأن القانون مرن بما يكفي ليصير كل شيء جريمة محتملة. بهذا الشكل، يتحول الخوف إلى آلية اقتصادية بحتة: يُدير السلوك كما تُدار الأسواق. يُنتج الطاعة، ويُعيد توزيع الامتيازات، ويخلق شبكة من المنافع المتبادلة بين الخائفين ومَن يُخيفونهم.

والأخطر أن الخوف لم يعد مرتبطًا فقط بالعنف، بل بالحرمان. من يُغضب السلطة قد لا يُعتقل، لكن قد يُمنع عنه الترخيص، يُفصل من عمله، تُغلق مؤسسته، أو يُقصى من أي مورد. هذه “العقوبات الاقتصادية” تعمل كامتداد ناعم للقمع، تُعيد تعريف الولاء بلغة المصلحة لا الإيمان. فيصبح الصمت استثمارًا في البقاء، والمشاركة في الظلم وسيلة لتأمين الذات.

بهذا المعنى، يُعاد تعريف المواطنة كعلاقة تجارية، لا سياسية. الدولة تُقدّم الأمان مقابل الطاعة، والمجتمع يدفع الخوف كضريبة على الحياة. وما كان يفترض أن يكون حقًا — الأمن، العدالة، الكرامة — يتحول إلى امتياز يُشترى بالسكوت. هذه ليست إدارة أزمة مؤقتة، بل تأسيس لنظام طويل المدى يقوم على تحويل الخوف إلى سلعة تتداولها السلطة والمجتمع معًا.

في دولةٍ يُدار فيها الخوف كاقتصاد موازٍ، يصبح الصمت شكلًا من أشكال العمل، والنجاة وظيفة يومية تُمارسها الجماعات والأفراد بوعيٍ أو بدونه. فالخوف لا يُزرع فقط عبر أجهزة القمع، بل يُعاد إنتاجه في مؤسسات تبدو مدنية تمامًا: المدرسة، المكتب، الجامعة، الإعلام، البيت. كل واحدة من هذه المساحات تعمل كخلية صغيرة في جهازٍ أكبر، هدفه أن يعلّم الناس أن النجاة لا تتحقق بالحقوق، بل بالامتثال.

المدرسة لا تخرّج مواطنين قادرين على النقد، بل تُدرّب على الانضباط: الوقوف في الصف، انتظار الإذن، ترديد الشعارات. في الجامعة، يصبح التفكير المستقل “تجاوزًا” يستدعي التوبيخ. في العمل، يُختزل الولاء للوظيفة في الولاء للمسؤول. في الإعلام، تُغسل اللغة من المعنى حتى تفقد قدرتها على الاعتراض. وهكذا، تتحول كل مؤسسات الحياة اليومية إلى مصانع صغيرة تُعيد إنتاج الخوف كقيمة أخلاقية.

لكن أخطر ما في هذا الاقتصاد أنه يجعل الخوف مقبولًا، بل ضروريًا. فحين يُصبح الأمان رفاهية، يبدو الخوف ثمنًا معقولًا للبقاء. وهنا تصل السلطة إلى لحظة النضج الكامل: لا تحتاج بعد الآن إلى تبرير القمع، لأن المجتمع نفسه صار يبرره. لا تسعى إلى إخفاء الخوف، بل إلى جعله قاعدة الوعي الجمعي. من لا يخاف يُعدّ طائشًا، ومن يجرؤ على الكلام يُدان لا لأنه كاذب، بل لأنه “لم يفهم الظروف”.

وفي هذا المناخ، يتحول الخوف إلى لغة مشتركة، إلى ما يشبه العملة الوطنيةللعلاقات الاجتماعية. الناس تتعامل بها في كلامها اليومي، في قراراتها الصغيرة، في الطريقة التي تكتب بها على فيسبوك أو لا تكتب. كل شيء يُقاس بما قد يجرّه من خطر. هذه الحسابات الدقيقة، التي يجريها كل فرد في رأسه قبل أي كلمة، هي بالضبط ما يُبقي النظام مستقرًا، من غير أن يضطر إلى إظهار أدواته الخشنة.

ومع الوقت، يُعاد تشكيل الوعي ذاته. لا يعود الخوف طارئًا، بل طبيعة ثانية. يختفي الإحساس بالظلم لأنه لم يعد يُرى كظلم، بل كـ قدرأو نظام طبيعي“. يُعاد تفسير الفقر كعقاب ذاتي، والاضطهاد كقانون حياة، والصمت كنوع من الحكمة. وحين تصل المجتمعات إلى هذه النقطة، لا تحتاج الأنظمة إلى المزيد من القوانين لتقييدها؛ يكفيها أن الناس أنفسهم فقدوا القدرة على تخيّل بديل.

ذلك هو الإنجاز الحقيقي لاقتصاد الخوف: ليس فقط أنه يُخيف الناس، بل أنه يُقنعهم بأن الخوف ضرورة، وبأن النجاة الفردية بديلٌ كافٍ عن العدالة العامة. حين يصبح الأمان امتيازًا، يبدو الخوف ثمنًا معقولًا للبقاء، ويغدو الصمت سلوكًا عقلانيًا، لا استسلامًا. في هذه اللحظة، لا تعود السلطة بحاجة إلى تبرير القمع، لأن المجتمع نفسه يبدأ في تبريره، لا حبًا فيه، بل خوفًا من خسارة ما تبقّى.

ومع ذلك، فإن كل منظومة تُدار بالخوف تحمل في داخلها هشاشتها الخاصة. فالخوف حين يُعمَّم يفقد قدرته على الضبط، لأن النجاة لا يمكن توزيعها على الجميع، ولأن الامتثال لا يضمن الأمان إلى الأبد. وعندما يكتشف الناس أن الصمت لا يحمي، وأن الطاعة لا تنقذ، وأن النجاة الفردية لا تمنع الانهيار العام، تبدأ الشروخ في الظهور، لا بوصفها تمرّدًا معلنًا، بل كسؤال صامت يتسلل إلى الوعي: ماذا تبقّى من الأمان إذا كان ثمنه الخوف الدائم؟

عند هذه النقطة، لا يكون السؤال عن القمع وحده، بل عن إمكان الخروج من منطقٍ جعل الخوف شرطًا للحياة، لا استثناءً فيها. وهذا السؤال، الذي يتأخر كثيرًا لكنه لا يختفي، هو ما يفتح الباب لما بعد التفكيك: البحث عن مخرج.

17 ديسمبر 2025