لم تعد تكلفة الاعتراض في مصر مرتبطة فقط بما يحدث بعده. جزء كبير من أثر القمع يقع قبل أن يفعل الشخص شيئًا أصلًا: في حساباته لما يمكن أن يحدث له إذا تكلم، أو شارك، أو نظم آخرين، أو حتى ارتبط اسمه بقضية لا ترغب السلطة في إثارتها.
هذا ما أقصده بـ«اقتصاد الخوف».
الخوف هنا ليس مجرد شعور نفسي، ولا نتيجة جانبية للقمع. هو جزء من الطريقة التي يتخذ بها الناس قراراتهم اليومية. ماذا أقول؟ وأمام من؟ هل أكتب هذا الرأي؟ هل أوقع هذا البيان؟ هل أشارك في هذه المبادرة؟ هل أذهب إلى هذا الاجتماع؟ وهل تستحق النتيجة المحتملة المخاطرة بالعمل أو الحرية أو الأسرة؟
هذه الحسابات لا تحتاج في كل مرة إلى تدخل مباشر من السلطة. يكفي أن تكون تكلفة بعض الأفعال معروفة، أو على الأقل غير قابلة للتوقع.
فالخوف يصبح أكثر تأثيرًا عندما لا يعرف الشخص بالضبط أين تقع الحدود. هناك ما هو ممنوع بوضوح، لكن هناك أيضًا مساحة واسعة لا يعرف فيها المرء مسبقًا ما إذا كان فعله سيمر من دون مشكلة أم سيؤدي إلى مساءلة أو عقاب. وهذه المساحة تجعل الاحتياط جزءًا من السلوك اليومي.
في هذا الوضع يتغير معنى الأمان نفسه. لا يعود الأمان مجرد حق يفترض أن تكفله المؤسسات، وإنما يصبح شيئًا يحاول الفرد الحفاظ عليه من خلال تجنب المخاطر.
وهنا تبدأ العلاقة بين الخوف والنجاة.
الشخص لا يحتاج إلى الاقتناع بالسياسات القائمة حتى يصمت عنها. قد يصمت لأنه يريد الحفاظ على عمله، أو حماية أسرته، أو تجنب مشكلة لا يعرف مداها. وقد يعرف أن ما يحدث ظالم، لكنه يرى أن الاعتراض لن يغيره وأن تكلفته الشخصية قد تكون أكبر مما يستطيع تحمله.
لهذا لا أرى الصمت في هذه الظروف دليلًا كافيًا على الرضا، كما لا أرى الخوف عيبًا أخلاقيًا في الأشخاص. الخوف يمكن أن يكون استجابة عقلانية لوضع تكون فيه تكلفة الفعل مرتفعة والنتيجة غير مضمونة.
وهذا بالتحديد ما يمنحه قوته السياسية.
السلطة لا تحتاج إلى معاقبة الجميع. العقاب المحدود يمكن أن ينتج أثرًا أوسع بكثير من الأشخاص الذين وقع عليهم مباشرة، إذا أصبح الآخرون قادرين على تصور ما قد يحدث لهم.
صحفي يعرف تجربة زميل تعرض للملاحقة فيراجع ما يكتبه. موظف يعرف ما حدث لمن دخل في خلاف مع الإدارة فيفضل ألا يعترض. باحث يتجنب موضوعًا يعتقد أنه قد يسبب له مشكلة. شخص يقرأ خبر اعتقال آخر بسبب ما كتبه فيقرر ألا يكتب.
لا توجد في كل حالة تعليمات مباشرة. وفي أحيان كثيرة لا يوجد شخص يطلب الصمت أصلًا. المعرفة السابقة بالمخاطر تقوم بجزء من المهمة.
لهذا يصبح من الصعب قياس أثر القمع بعدد من تعرضوا له فقط. هناك دائرة أوسع من الأشخاص الذين تغير سلوكهم لأنهم شاهدوا ما حدث لغيرهم.
هذا ما يجعل الخوف مختلفًا عن العنف المباشر. العنف يحتاج إلى فعل متكرر، بينما يستطيع الخوف أن يستمر بعد انتهاء الواقعة التي أنتجته.
ولهذا أيضًا يمكن أن ينتقل خارج المؤسسات الأمنية إلى العلاقات الاجتماعية نفسها.
نسمع النصيحة المعروفة: «ما تتكلمش في السياسة». يقولها الأب لابنه، أو الصديق لصديقه، أو الزميل لزميله. غالبًا لا يقولها هؤلاء دفاعًا عن السلطة. يقولونها لأنهم يريدون حماية شخص قريب منهم.
وهنا توجد واحدة من أكثر مفارقات الخوف أهمية: يمكن أن ينتقل القيد من السلطة إلى المجتمع في صورة نصيحة محبة.
الأب الذي يخاف على ابنه لا يقوم بدور رجل الأمن، والصديق الذي يحذر صديقه لا يصبح جزءًا من جهاز القمع. لكن النتيجة العملية قد تكون أن مساحة الكلام تضيق من دون حاجة إلى تدخل مباشر في كل مرة.
بهذا المعنى يعيد المجتمع نقل الخبرة التي تعلمها عن المخاطر. تنتقل قصص الاعتقال والفصل والمنع والتحقيق والملاحقة، ومعها تنتقل معرفة ضمنية بما يعتقد الناس أنه آمن وما يعتقدون أنه خطر.
وهذا ما يجعلني أستخدم تعبير «اقتصاد الخوف». المقصود ليس وجود سوق حرفية للخوف، وإنما أن المخاطر والتكاليف موزعة بصورة غير متساوية، وأن الناس يتخذون قراراتهم وفقًا لقدرتهم على تحملها.
ليست تكلفة الاعتراض واحدة بالنسبة للجميع.
من يمتلك دخلًا مستقرًا ومدخرات وعلاقات ومهنة يستطيع العودة إليها قد تكون قدرته على تحمل بعض المخاطر أكبر من شخص يعتمد بالكامل على راتب شهري أو يعول أسرة ولا يملك بديلًا إذا فقد عمله.
والشخص الذي يستطيع الحصول على محامٍ أو يمتلك شبكة علاقات واسعة لا يواجه الوضع نفسه الذي يواجهه شخص معزول لا يعرف بمن يتصل إذا حدثت له مشكلة.
حتى المكانة الاجتماعية والمهنية يمكن أن تؤثر في هذه الحسابات.
لهذا فإن الحديث عن الشجاعة وحدها مضلل. الناس لا تدخل المجال العام من مواقع متساوية، ولا تدفع التكلفة نفسها عندما تفعل.
ويرتبط هذا بما حدث خلال عقود من التحولات الاقتصادية والاجتماعية. تراجع أشكال من الحماية الاجتماعية، وعدم استقرار العمل، وارتفاع تكاليف الحياة، كلها تجعل فقدان الدخل أو الوظيفة أكثر خطورة بالنسبة للفرد.
عندما يعيش الشخص أصلًا على هامش ضيق بين دخله والتزاماته، تصبح إضافة مخاطرة سياسية إلى حياته قرارًا أكثر صعوبة.
وهنا يلتقي الاقتصادي بالسياسي بصورة مباشرة. هشاشة العمل لا تنتج الخوف السياسي وحدها، لكنها تؤثر في قدرة الشخص على تحمل تكلفة المشاركة. وكلما كانت شبكات الأمان أضعف، أصبحت الخسارة المحتملة أكبر.
يمكن رؤية شيء مشابه في علاقة المواطن بالخدمات والإدارة.
في النظام الذي تكون فيه الإجراءات واضحة والحقوق قابلة للمطالبة، يستطيع الشخص أن يتعامل مع المؤسسة باعتباره صاحب حق. أما عندما تكون الإجراءات غير مستقرة، وتملك الإدارة مساحة واسعة في المنح والمنع والتأخير، تصبح العلاقة أكثر اعتمادًا على تجنب الصدام والبحث عن وساطة أو استثناء.
المواطن هنا لا يعرف دائمًا ما إذا كان حصوله على الخدمة نتيجة حق ثابت أم قرار يمكن تعطيله.
وهذه المساحة من عدم اليقين مهمة لأنها تجعل الأمان نفسه هشًا. الوظيفة موجودة لكنها قد تضيع، والترخيص موجود لكنه قد يتعطل، والمؤسسة تعمل لكنها لا تعرف متى يمكن أن تواجه مشكلة.
لا يعني ذلك أن كل قرار إداري عقوبة سياسية، ولا أن كل شخص يواجه الإدارة يعيش تحت تهديد أمني. الفكرة أن اتساع السلطة التقديرية وضعف الضمانات يزيدان من قيمة تجنب الصدام، ويجعلان الامتثال خيارًا أقل تكلفة في حالات كثيرة.
وتظهر الآلية نفسها على مستوى السياسات العامة.
عندما تُتخذ قرارات اقتصادية واسعة من دون نقاش عام حقيقي أو قدرة اجتماعية منظمة على التأثير فيها، لا يبقى أمام المتضررين منها إلا محاولة التكيف بصورة فردية.
يرتفع السعر، فيعيد الشخص ترتيب إنفاقه. تتراجع قيمة الدخل، فيبحث عن عمل إضافي. تقل خدمة عامة، فيحاول من يستطيع شراء بديل خاص. وفي كل مرة تتحول مشكلة عامة إلى سلسلة من حلول فردية.
هذه النقطة أساسية في «اقتصاد الخوف»: النجاة فردية حتى عندما تكون المشكلة جماعية.
بدلًا من السؤال عن سبب تدهور خدمة أو ارتفاع تكلفة أو غياب حق، ينشغل كل شخص بكيفية حماية نفسه وأسرته من النتيجة.
وهذا مفهوم تمامًا على مستوى الفرد. المشكلة تظهر عندما يصبح مجموع هذه الاستجابات الفردية هو الطريقة الوحيدة المتاحة للتعامل مع مشكلات عامة.
عندها يتحول التكيف إلى نمط حياة.
من يستطيع شراء خدمة خاصة يفعل. ومن يستطيع استخدام علاقة شخصية يفعل. ومن يستطيع الابتعاد عن المجال العام يبتعد. ومن لا يستطيع يحاول تقليل خسائره قدر الإمكان.
ليس الجميع مستفيدين من هذا الوضع، ولا الجميع خاضعين له بالطريقة نفسها. لكنه يخلق مجتمعًا ينشغل أفراده بتأمين مساحات صغيرة للنجاة أكثر من قدرتهم على المطالبة بقواعد عامة تحمي الجميع.
وهنا يصبح «الاستقرار» مفهومًا يستحق التوقف عنده.
الاستقرار يمكن أن يعني وجود مؤسسات تعمل وفق قواعد معروفة وتتيح للناس قدرًا من القدرة على توقع المستقبل. لكنه يمكن أيضًا أن يعني فقط غياب الاعتراض الظاهر.
والفارق بين المعنيين كبير.
المجتمع الذي لا يحتج ليس بالضرورة مجتمعًا راضيًا أو مستقرًا. قد يكون مجتمعًا ارتفعت فيه تكلفة الاحتجاج إلى درجة جعلت الصمت هو الاختيار الأكثر أمانًا.
وهذا الصمت نفسه قد يكون هشًا، لأنه لا يحل الأسباب التي أدت إلى الغضب أو التوتر. هو فقط يؤثر في الطريقة التي يعبر بها الناس عنها.
لهذا فإن الخوف لا يحتاج إلى عنف مستمر. قدر من عدم اليقين قد يكون كافيًا.
إذا عرف الشخص بصورة واضحة أن فعلًا معينًا يؤدي إلى عقوبة محددة، يستطيع حساب المخاطرة. أما إذا كانت الحدود نفسها متحركة، تصبح مساحة الاحتياط أوسع.
الرقابة الذاتية تعمل بهذه الطريقة. الصحفي لا يحذف فقط ما يعرف أنه ممنوع؛ قد يحذف أيضًا ما يظن أنه يمكن أن يسبب مشكلة. ومع الوقت يمكن أن تصبح المنطقة التي يتجنبها أكبر من المنطقة التي حددتها أي تعليمات مباشرة.
والأمر نفسه يمكن أن يحدث خارج الصحافة. الناس تتعلم من التجربة، ومن تجارب الآخرين، وتبني تقديراتها الخاصة للحدود.
لكن الخوف لا يعيد تشكيل الكلام فقط. يمكن أن يؤثر أيضًا في العلاقات بين الناس.
عندما تصبح المشاركة مع آخرين مصدرًا محتملًا للخطر، تتراجع الثقة. الشخص لا يحتاج فقط إلى أن يسأل نفسه إن كان مستعدًا لتحمل المخاطرة؛ عليه أيضًا أن يعرف ما إذا كان يستطيع الوثوق في الآخرين الذين يعمل معهم.
وهذا يرفع تكلفة التنظيم أكثر.
العمل الفردي قد يبدو أكثر أمانًا لأنه يسمح للشخص بالتحكم في قراراته. أما العمل الجماعي فيربط مصيره بقرارات أشخاص آخرين. في بيئة مرتفعة المخاطر يصبح هذا عاملًا إضافيًا يدفع نحو الانسحاب أو العمل في دوائر صغيرة جدًا.
لهذا فإن أحد أهم آثار الخوف ربما لا يكون إنتاج الطاعة بالمعنى المباشر، وإنما تفكيك القدرة على الفعل المشترك.
الأشخاص قد يظلون غاضبين، وقد يرفضون السياسات القائمة، وقد يسخرون من الخطاب الرسمي، لكن تحويل هذا الرفض إلى فعل جماعي مستمر يصبح أصعب.
وهنا نصل إلى ما أسميه «اقتصاد النجاة».
هو وضع ينشغل فيه كل شخص بتقليل خسائره الخاصة: حماية العمل، والدخل، والأسرة، والمساحة المحدودة المتاحة له. هذه الخيارات عقلانية على المستوى الفردي، لكن نتيجتها الجماعية قد تكون إضعاف القدرة على مواجهة الأسباب التي تجعل الجميع أكثر هشاشة.
ليست المشكلة إذن أن الناس اختارت الصمت بدل الحرية، أو أنها فقدت القدرة على رؤية الظلم. هذه قراءة أخلاقية أكثر مما ينبغي.
المشكلة أن بنية الحوافز والمخاطر تجعل الصمت في حالات كثيرة أقل تكلفة من الكلام، والعمل الفردي أقل خطورة من العمل الجماعي، والتكيف مع المشكلة أكثر واقعية من محاولة تغييرها.
وإذا كان هذا صحيحًا، فإن الخروج من الخوف لا يمكن أن يعتمد على مطالبة الناس بأن يصبحوا أكثر شجاعة.
السؤال الحقيقي هو كيف يمكن تقليل تكلفة الفعل الجماعي.
كيف يمكن لشخص أن يشارك من دون أن يتحمل المخاطر وحده؟ كيف يمكن الحفاظ على الخبرة إذا تعرض بعض المشاركين للملاحقة أو اضطروا إلى الانسحاب؟ كيف يمكن بناء الثقة في ظروف تجعل الشك أكثر أمانًا؟ وكيف يمكن الانتقال من النجاة الفردية إلى أشكال من الحماية المتبادلة؟
هذه الأسئلة لا تقدم حلًا، لكنها تغير الطريقة التي ننظر بها إلى المشكلة.
إذا تعاملنا مع الخوف باعتباره مجرد ضعف فردي، ستكون الإجابة هي الشجاعة. وإذا تعاملنا معه باعتباره نتيجة مباشرة للقمع فقط، ستكون الإجابة انتظار تراجع القمع.
أما إذا كان الخوف جزءًا من بنية اجتماعية واقتصادية وسياسية تحدد تكلفة الفعل، فإن التفكير في المخرج يبدأ من مكان آخر: من التنظيم، والمعرفة، والقدرة على توزيع المخاطر وحفظ الخبرة.
ولا أعتقد أن منظومة تقوم على الخوف تحمل بالضرورة داخلها بذور انهيارها، أو أن الخوف عندما يزيد يتحول تلقائيًا إلى تمرد. التاريخ لا يعطينا هذه الطمأنينة. الخوف يمكن أن يستمر طويلًا، ويمكن أن يعيد تشكيل المجتمع بطرق يصعب تغييرها.
ولهذا لا أريد إنهاء الحديث عن «اقتصاد الخوف» بوعد أن الناس ستكتشف في لحظة ما أن الصمت لم يعد يحميها فتبدأ الشروخ في الظهور. ربما يحدث ذلك وربما لا يحدث.
ما يمكن قوله بدرجة أكبر من اليقين هو أن النجاة الفردية لا تستطيع معالجة مشكلات جماعية، وأن المجتمع الذي يصبح فيه كل شخص مسؤولًا وحده عن حماية نفسه يفقد تدريجيًا الأدوات التي تسمح لأفراده بالعمل معًا.
وهنا يصل التفكيك إلى سؤال المخرج.
إذا كان الخوف يجعل الانسحاب عقلانيًا، فالمشكلة ليست كيف نقنع الناس بالتوقف عن الخوف. المشكلة هي كيف يصبح الفعل مع الآخرين ممكنًا مرة أخرى، من دون تجاهل الثمن الحقيقي الذي قد يدفعه من يشارك فيه.
ومن هذه النقطة يمكن أن يبدأ البحث.



