لماذا قد يكون إصدار قانون تداول المعلومات أخطر من غيابه؟

Facebook
Twitter

هل يُنقذ القانون الحقّ حين يولد في بيئة مغلقة؟

السؤال يبدو بسيطًا، لكن الإجابة عليه تحدّد مصير حرية تداول المعلومات لسنوات قادمة. موقفي الرافض لإصدار قانون لتداول المعلومات الآن لا يعني التنازل عن الحق أو الانسحاب من الدفاع عنه؛ هو محاولة لحماية الحق من أن يُفرَّغ من مضمونه تحت رعاية نصّ جديد. الخطر لا يكمن في غياب القانون، إنما في حضوره على نحو يجعله واجهة أنيقة لتقنين المنع.

المعلومة ليست بندًا إداريًا أو تفصيلة تقنية، هي علاقة سلطة: من يمتلكها، ومن يوزّعها، ومن يقرّر الحجب والإفصاح. وحين تُصاغ القواعد داخل سياق تشريعي مُحكَم تُحتكر فيه القرارات التنفيذية وتغيب أدوات الرقابة الفعلية، لا يعود القانون أداة تمكين؛ يصبح جزءًا من هندسة السيطرة. عندها تتحوّل “التنظيمات” إلى قيود، ويغدو الحق اسمًا مُعلّقًا على واجهة لا تُفتح.

لا أكتب هذا من موقع المراقِب، أكتب من تجربة مباشرة ممتدة منذ 2011؛ بدأت من صياغة أول مسودة حقوقية مستقلة، مرورًا بجلسات التفاوض مع مركز دعم واتخاذ القرار، ثم لاحقًا مع وزارة العدل حين طُلِبَت مساهمات المجتمع المدني. وفي كل محطة تكرّر النمط نفسه: حوار شكلي يترك الجوهر على حاله؛ توسّع في الاستثناءات، وتعميم لمفاهيم فضفاضة مثل الأمن القومي، وغياب إرادة لإنشاء جهة رقابية مستقلة قادرة على الإلزام. والنتيجة واحدة: نص يُقال إنه ينظّم الحق، بينما يعيد إنتاج المنع بلغة قانونية ناعمة.

لهذا أرى أن المطالبة بالتأجيل ليست تعطيلًا للإصلاح، هي شرط له. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من عناوين القوانين، يبدأ من بيئة سياسية وقضائية وإعلامية تضمن أن يعمل النص كأداة شفافية ومساءلة، لا كغطاء جديد للحجب. أي قانون يولد تحت سقف أحادي سيكرّس المشكلة بدل حلّها؛ ومن ثم، فإن الدفاع عن الحق اليوم يعني مقاومة صدور قانون يُعيد تعريف الحق على مقاس السلطة، ويحوّل المواطن من شريك في المعرفة إلى متلقٍ مُراقَب لما تسمح به الجهة الحاكمة.

من خبرة الصياغة إلى تجربة التفاوض: دروس من الماضي

حين انفتحت أبواب السياسة بعد ثورة يناير، بدا الحق في الوصول إلى المعلومات كأنه واحد من المطالب الطبيعية لمرحلة انتقالية تتطلّع إلى الشفافية. عقود طويلة من السرية والحجب صنعت جدارًا كثيفًا بين المجتمع والقرار العام، وكان من البديهي أن يُطرح هذا الحق بوصفه مدخلًا لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمواطن. منذ اللحظة الأولى، اتضح أن الطريق إلى القانون لن يكون امتدادًا بديهيًا لذلك الزخم، سيكون ساحة صراع جديدة حول تعريف الحق وحدوده.

في عام 2011 شاركتُ مع مجموعة من المنظمات الحقوقية والخبراء القانونيين في إعداد أول مسودة مستقلة لقانون تداول المعلومات. لم يكن الهدف إعادة إنتاج نصوص أجنبية، إنما صياغة نموذج مصري يستفيد من التجارب المقارنة في تونس وجنوب أفريقيا والمكسيك، مع الاستجابة لخصوصية المرحلة الانتقالية. جوهر الفكرة كان بسيطًا وراديكاليًا: المعلومة مورد عام، والحق في الحصول عليها لا يُنظَّم إلا بقدر ما يضمن اتساعه، لا تضييقه. تضمنت المسودة آليات نشر استباقي، وحدودًا واضحة للاستثناءات، وتعريفات دقيقة لمفاهيم مثل “الأمن القومي”، مع نصوص تضمن حماية المبلّغين وتتيح الطعن القضائي السريع على قرارات الحجب.

هذا المشروع، بكل ما حمله من جهد جماعي، ظلّ حبيس المجتمع المدني؛ لم يُدرج كمرجع في أي مسار رسمي، وحتى حين طُرحت مشاريع قوانين لاحقة على البرلمان، ومنها جلسات استماع حضرتُ بعضها بنفسي، كان واضحًا أن المسودات الحقوقية المستقلة غائبة عن النقاش، وأن الهدف لم يكن تمكين الحق إنما احتواؤه.

المرحلة التالية جاءت حين أطلقت وزارة العدل مشروعها الخاص، وتلقّيت دعوة رسمية للمشاركة في مراجعته، فنسّقت لقاءات بين ممثلين عن الوزارة وعدد من المنظمات الحقوقية. في البداية، بدا وكأن هناك نافذة للحوار، سرعان ما تبيّن أن ما يُعرض علينا ليس مشروعًا مفتوحًا للتعديل، هو نصٌّ مُحكم صيغت روحه مسبقًا. الاستثناءات الواسعة ظلت كما هي، ومصطلح “الأمن القومي” ظل بلا تعريف، وأُعفيت مؤسسات كاملة من الخضوع للقانون، والجهة المفترض أن تراقب التنفيذ ظلت خاضعة للسلطة التنفيذية نفسها.

كانت التجربة كاشفة؛ السلطة لم ترد قانونًا يفتح باب الشفافية، أرادت نصًا يضبط المجال باسم “التنظيم”. الاستماع إلى ملاحظاتنا اقتصر على تفاصيل شكلية، والجوهر بقي ثابتًا: تكريس السرية بوسائل قانونية. وكلما غُيّر المسؤول الحكومي المكلّف بالملف، كان علينا إعادة النقاش من البداية، وكأن الغرض من الحوار هو استنزاف الوقت وإضفاء شرعية شكلية على مسار تقرّره السلطة وحدها.

من هنا تشكّلت القناعة التي ترافقني: المشكلة ليست في “نص قانون” غائب، هي في منطق إنتاجه والبيئة التي يولد فيها. ما لم تتغير هذه البيئة، فإن أي مشروع سيظل محكومًا بالمنطق ذاته: التنظيم كغطاء للحجب، والمشاركة كديكور للتسويق الخارجي، بينما يظل الحق بعيدًا عن متناول الناس.

أين يكمُن الخطر الآن؟

يُقدَّم الخطاب السائد اليوم وكأن إصدار قانون لتداول المعلومات خطوة إصلاحية لا تحتمل التأجيل. السؤال الحقيقي هو: أي إصلاح يتحقق إذا صدر النص في مناخ سياسي مغلق؟ التجارب السابقة تكفي لتوضيح أن القانون في مثل هذه الظروف لا يوسّع الحق، يضيّقه، ولا يفتح الشفافية، يكرّس السرية في صورة جديدة.

قد يجادل البعض بأن هذه المطالبة بالتأجيل هي في حد ذاتها تعطيل لإصلاح طال انتظاره، وأن وجود القانون، حتى لو كان قاصراً، أفضل من غيابه. يرى هذا المنطق أن أي نص قانوني هو خطوة أولى يمكن البناء عليها، وأنه يرسخ المبدأ وإن لم يرسخ الممارسة الكاملة. هذه الحجة تتجاهل التجربة الواقعية؛ ما يُقدَّم بوصفه خطوة أولى قد يتحول إلى خط النهاية، وما يُسَوَّق كقانون يمكن تطويره يصبح في الحقيقة أداة لتحصين الوضع القائم. الخطر ليس في الفراغ القانوني، الخطر في أن يُملأ هذا الفراغ بنص يُجمل المنع ويُشرعنه بدلاً من فتح الباب للشفافية.

الخطر هنا ليس في الورق، هو في الفلسفة التي تُنتجه. حين تُصاغ التشريعات تحت سقف أمني، تصبح وظيفتها الأساسية هي تنظيم الحجب لا الإتاحة. تُترك المفاهيم الجوهرية بلا تعريف، مثل “الأمن القومي” أو “المصلحة العليا”، فيتحول الغموض إلى أداة لتقييد أي معلومة. تُفرض استثناءات مؤسسية تعفي جهات كاملة من الخضوع للقانون، وكأن هناك مناطق محصّنة ضد الشفافية. تبقي السلطة التنفيذية يدها على آليات الرقابة، فتتحول الجهة الرقابية إلى تابع لا ضامن. وفي النهاية، يُصبح النص نفسه تجسيدًا لفكرة أن المواطن لا يستحق المعرفة، يُمنح منها ما تسمح به الأجهزة فحسب.

هذه ليست فرضيات، هو منطق متكرر؛ رأينا كيف استُخدمت نصوص قائمة لتجريم الصحافة، أو ملاحقة باحثين ونقابيين كشفوا وقائع فساد. في كل مرة، تُستدعى تهم تتعلق بالأمن القومي أو إفشاء أسرار الدولة، حتى لو كان ما جرى نشره لا يتجاوز بيانات إدارية. الرسالة ثابتة: المعلومة في ذاتها خطر، والإفصاح عنها تهديد، والشفافية علامة ضعف.

النتيجة أن الدعوة إلى “تنظيم الحق” تصبح خديعة لغوية؛ التنظيم، في غياب ضمانات مؤسسية وقضائية، ليس سوى تعبير آخر عن المنع. وما يُقدَّم بوصفه تقدّمًا تشريعيًا قد يكون في حقيقته تراجعًا مقنّعًا، يربط الحق بقيود جديدة ويحوّله إلى استثناء يُنتزع لا قاعدة تُمارَس.

من هنا يصبح التأجيل موقفًا عقلانيًا؛ لأن إصدار القانون الآن يعني تثبيت منطق الحجب في نص حديث يُسوّق كإنجاز، وهو في جوهره إعادة إنتاج للهيمنة. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من إعلان قانوني، يبدأ من تغيير البنية التي ترى في المعرفة تهديدًا وتحوّلها إلى مورد مُتاح يخضع للمساءلة والرقابة المجتمعية.

المنطق الأمني مقابل منطق الحق

يكشف كل ما سبق عن صدام جوهري بين منطقين لا يلتقيان؛ الأول هو منطق السلطة الذي يتعامل مع المعلومة كملكية سرية، لا يجوز الإفصاح عنها إلا في الحدود التي تضمن استمرار السيطرة. في هذا التصور، السرية هي القاعدة، والشفافية استثناء يحتاج إلى مبرر؛ المواطن ليس شريكًا في إدارة الشأن العام، هو مخاطر محتمل يجب مراقبته وتقييد وصوله إلى المعرفة.

في المقابل، هناك منطق الحق: المعلومة مورد عام، والإفصاح عنها هو الأصل، والحجب لا يكون إلا في أضيق الحدود ووفق شروط دقيقة تخضع للرقابة المستقلة. هذا المنطق لا يحمي فقط حرية التعبير، يرسخ كفاءة مؤسسات الدولة نفسها؛ لأن الدولة التي تُخفي بياناتها تضعف قدرتها على التخطيط وعلى كسب ثقة مواطنيها.

المفارقة أن السلطة تبرر السرية باسم الحماية، لكنها في الواقع تُحوِّل الحجب إلى سلاح يوجَّه ضد المجتمع نفسه. كلما اتسعت دوائر الاستثناءات، تقلّصت إمكانات المساءلة، وتحوّل القانون إلى واجهة قانونية لإدامة منطق الأمننة؛ حينها يصبح القانون أداة لإعادة إنتاج الصمت: نص يُكتب باسم الإصلاح لكنه يشتغل كآلية ضبط.

لم تكن هذه المفارقة نظرية، كشف مقال خالد فهمي «الأمن القومي وعلب السردين» ببلاغة كيف يعمل هذا المنطق؛ أي معلومة، مهما كانت بسيطة، يمكن أن تُصان كتهديد إذا نظرت إليها الأجهزة بعقلية الاستخبارات. المثال الساخر عن علب السردين لم يكن مجرد حكاية من الستينيات، هو استعارة مكثفة عن عقلية ما زالت قائمة: عقلية تعتبر أن الإفصاح ضعف، وأن الجهل حماية.

بين المنطقين تتحدد ملامح المستقبل؛ إذا ساد منطق الأمن، صار القانون الجديد غطاءً لإعادة إنتاج السرية. أما إذا أُرسيت قواعد منطق الحق، فالقانون يصبح أداة شفافية ومساءلة. السؤال إذن ليس: هل نصدر قانونًا؟ السؤال: أي منطق سيحكم هذا القانون؟ وأي بيئة سياسية ستضمن تطبيقه؟

الحد الأدنى قبل أي قانون

إذا كان النقاش حول قانون تداول المعلومات جادًا، فهناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها؛ لا معنى لقانون يرفع شعار الحق بينما يفرغه من مضمونه. ولهذا يصبح الحديث عن الحد الأدنىشرطًا لبقاء النص في دائرة الحماية لا الحجب.

أول هذه الشروط هو تعريف المفاهيم المركزية بدقة؛ الأمن القومي، العلاقات الخارجية، المصالح العليا، كلمات تصلح لتبرير أي شيء إذا تُركت بلا تحديد. التعريف ليس مسألة لغوية، هو ضمانة عملية تحدد متى يُقبل الحجب ومتى يتحول إلى اعتداء على الحق؛ من دون هذا التعريف، سيظل الباب مفتوحًا أمام استخدام الغموض كسلاح ضد الشفافية.

الشرط الثاني هو استقلال الجهة الرقابية؛ لا معنى لمفوَّض معلومات يتبع السلطة التنفيذية التي تُمسك بالمعلومة أصلًا. الجهة المستقلة ليست تفصيلة إدارية، هي عمود ارتكاز لأي قانون يطمح إلى الفعالية، وغيابها يعني أن الخصم هو الحكم.

ثالثًا: النشر الاستباقي. الحق لا يكتمل بالانتظار السلبي لطلب المعلومة، يكتمل بالالتزام الإيجابي من الجهات الرسمية بإتاحتها دوريًا وفق جداول زمنية واضحة، وبصيغ مفتوحة تسمح باستخدامها. أي نص يتجاهل هذا البُعد يتحول إلى قانون للأرشفة، لا للشفافية.

ثم تأتي حماية المبلّغين؛ من يكشف الفساد أو يفضح الانتهاك يجب أن يلقى الحماية، لا أن يُحوَّل إلى متهم. هذه ليست مسألة أخلاقية، هي شرط عملي لتشغيل أي منظومة معرفة؛ بدون حماية، لن يجرؤ أحد على الإفصاح، وسيظل الحق معلقًا على ورق بلا حامٍ.

أخيرًا، لا يمكن فصل القانون عن باقي المنظومة التشريعية؛ النص الجديد سيفقد معناه إذا استمرت القوانين الأخرى في تجريم النشر أو ملاحقة الصحفيين. المواءمة هنا ليست تكميلية، هي ضرورية، إذ لا معنى لحق يضمنه نص ويصادره آخر.

هذه الخطوط ليست برنامجًا مثاليًا، هي الحد الأدنى. ما لم تُدرج في أي مشروع جدي، فإن ما يُطرح تحت اسم “قانون لتداول المعلومات” لن يكون إلا إعادة إنتاج لأدوات الحجب، وتحصينها بشرعية جديدة.

أخيرًا

الدفاع عن الحق في المعرفة لا يعني استعجال قانون يولد في بيئة خانقة، قد يعني أحيانًا الوقوف ضد صدوره حتى لا يتحول إلى أداة لشرعنَة الحجب. الإصلاح لا يبدأ من نص يُكتب في قاعات مغلقة، يبدأ من إرادة سياسية تفتح المجال للرقابة والمساءلة وتعتبر المعلومة ملكية عامة وليست امتيازًا سياديًا.

ما يُطرح اليوم ليس مجرد مشروع قانون، هو محاولة لإعادة تعريف الحق على مقاس السلطة. فإذا صدر في صورته المتوقعة، سيُستخدم كسلاح ناعم ضد الصحافة والباحثين والمجتمع المدني، لا كآلية لتمكينهم. هنا يصبح التأجيل موقفًا مسؤولًا؛ لأن القانون الذي يولد بلا ضمانات، وبلا بيئة ديمقراطية حاضنة، لا يضيف إلى رصيد الحقوق، يخصم منه.

أرفض اختزال الحق في المعرفة إلى لافتة قانونية تُرفع في مؤتمر صحفي. ما نحتاجه ليس نصًا للتباهي الخارجي، نحتاج إطارًا حقيقيًا يُكتب في ظل انفتاح سياسي ويخضع لرقابة مؤسسية مستقلة ويشارك فيه المجتمع المدني مشاركة فعلية. من دون ذلك، ستظل كل دعوة إلى تشريع القانون الآن محاولة لتجميل الهيمنة، لا تقويضها.

حماية الحق في هذه اللحظة لا تكمن في إصداره، هي في منع تشويهه. هذا هو جوهر الموقف: أن نؤجل اليوم كي لا نُقبر الحق غدًا.