الزنزانة التي ترافقنا إلى الشاشة عن معاقبة صُنّاع المحتوى الشباب في مصر

Facebook
Twitter

تبدو قضايا القبض على صانعي المحتوى على «تيك توك» في ظاهرها جزءًا من جدل أخلاقي حول التفاهة أو الذوق العام. لكن النظر إلى هذه القضايا مجتمعة يطرح سؤالًا يتجاوز المحتوى نفسه. نحن أمام استخدام متكرر للعقوبة في التعامل مع أشكال من الظهور في المجال العام، حتى عندما لا يكون هذا الظهور سياسيًا بالمعنى المعتاد.

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بما يقوله صانع المحتوى. اتساع الجمهور نفسه يصبح عنصرًا في القضية. شخص يتحدث أو يرقص أو يقدم محتوى قد يراه كثيرون تافهًا، لكنه يمتلك مئات الآلاف أو الملايين من المتابعين، ويستطيع الوصول إليهم من دون المرور بالمؤسسات الإعلامية التقليدية.

من هنا يمكن النظر إلى هذه القضايا باعتبارها جزءًا من سؤال أوسع: كيف تحول الحبس في مصر من عقوبة يفترض أن تحيط بها ضمانات قانونية مشددة إلى أداة حاضرة في إدارة المجال العام؟

السؤال لا يتعلق بعقوبة بعينها فقط، وإنما بموقع العقوبة في علاقة السلطة بالمجتمع. عندما يصبح القبض والحبس من أسرع الوسائل المستخدمة في مواجهة أشكال مختلفة من التعبير أو السلوك، تتغير وظيفة القانون نفسه.

في الأصل، يفترض أن تأتي العقوبة في نهاية سلسلة من الضوابط. هناك نص يحدد الفعل المجرّم، وتحقيق، وحق في الدفاع، ومحاكمة، وضمانات يفترض أن تحد من قدرة السلطة على استخدام العقاب خارج الغرض الذي حدده القانون.

المشكلة تبدأ عندما تصبح المسافة بين الفعل والعقوبة شديدة القصر، وعندما تكون النصوص المستخدمة واسعة إلى درجة تجعل معرفة الحدود مسبقًا أكثر صعوبة.

قضايا صانعي المحتوى تكشف جانبًا من هذه المشكلة. أفعال كانت قبل سنوات جزءًا من الحياة الخاصة أو الترفيه أو التعبير الاجتماعي أصبحت قابلة للدخول إلى المجال الجنائي تحت عناوين واسعة تتعلق بالقيم أو الآداب أو إساءة استخدام وسائل الاتصال.

ما يلفت هنا ليس القسوة وحدها، وإنما السرعة التي يمكن بها نقل فعل اجتماعي عادي إلى المجال الجنائي، ثم تحويل صاحبه من شخص يقدم محتوى قد يعجبنا أو لا يعجبنا إلى متهم يواجه احتمال الحبس.

هذا مختلف عن النقاش حول جودة المحتوى. من حق الناس أن تنتقد ما تراه تافهًا أو مسيئًا أو رديئًا. لكن النقد الاجتماعي شيء، واستخدام سلطة العقاب شيء آخر.

والخلط بين الاثنين يسمح بتحويل الذوق العام إلى مساحة للتجريم.

القانون يفترض وجود معيار يستطيع الناس معرفته، حتى يعرف الشخص ما هو مباح وما هو محظور. وكلما أصبحت العبارات القانونية أوسع، أصبح من الأصعب على الفرد توقع ما يمكن أن يؤدي إلى مساءلته.

هنا تظهر منطقة رمادية كبيرة. السؤال لا يعود فقط: ماذا فعل الشخص؟ يدخل معه سؤال آخر: كيف ستفسر السلطة ما فعله؟

وهذا الفارق مهم، لأن عدم القدرة على توقع الحدود يؤثر في سلوك من لم يتعرضوا للعقوبة أيضًا.

العقوبة لا تعمل على الشخص الذي يتعرض لها وحده. القبض على شخص بسبب فيديو أو منشور يرسل رسالة إلى عدد أكبر بكثير ممن شاهدوا ما حدث. هؤلاء يبدأون في إعادة حساب حدود ما يمكن قوله أو فعله.

من هذه الزاوية، تصبح الزنزانة تهديدًا يتجاوز من دخلها.

لا يحتاج كل صانع محتوى إلى أن يتعرض للقبض حتى يتغير سلوكه. يكفي أن يعرف ما حدث لغيره، وأن يعرف أن الحدود ليست واضحة تمامًا، حتى يبدأ في ممارسة قدر من الرقابة على نفسه.

وهنا تتجاوز المسألة «تيك توك». الآلية نفسها يمكن أن تعمل مع الصحفي والباحث والناشط والمواطن العادي. كل شخص يتعلم من العقوبات التي وقعت على الآخرين، ثم يعيد تحديد مساحة حركته وفقًا لما فهمه منها.

لهذا فإن أثر الحبس لا يقاس بعدد المحبوسين فقط. هناك أيضًا أثره على الذين لم يُحبسوا.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل العقوبة أداة شديدة الفاعلية في ضبط المجال العام. فهي تعاقب فردًا، لكنها تستطيع في الوقت نفسه التأثير في سلوك عدد أكبر كثيرًا.

قضايا صانعي المحتوى تضيف إلى ذلك عنصرًا آخر: الجمهور.

في السابق ارتبط جانب كبير من تدخل السلطة في المجال العام بأشكال معروفة من التنظيم السياسي: حزب، حركة، نقابة، صحيفة، منظمة. المنصات الرقمية خلقت نوعًا مختلفًا من الحضور. يمكن لشخص لا ينتمي إلى أي تنظيم ولا يقدم محتوى سياسيًا أن يبني جمهورًا ضخمًا.

وهذا الحضور لا يمر بالضرورة عبر القنوات التي اعتادت السلطة التعامل معها. لا توجد مؤسسة صحفية يمكن مخاطبتها، ولا حزب يمكن الضغط عليه، ولا نقابة تنظم علاقة الشخص بالمجال العام. هناك فرد وهاتف وجمهور.

لا أستطيع أن أجزم بأن اتساع الجمهور هو في كل حالة السبب المباشر في القبض أو المحاكمة. لكن من الصعب تجاهل أن حجم الانتشار أصبح عنصرًا حاضرًا في كثير من النقاشات حول هذه القضايا.

فالفيديو نفسه إذا شاهده عشرات الأشخاص يظل شيئًا مختلفًا اجتماعيًا عن فيديو شاهده مليون شخص. ومع اتساع الجمهور، يتحول صاحبه إلى شخص يمتلك قدرًا من التأثير، حتى لو كان محتواه بعيدًا تمامًا عن السياسة.

وهنا يصبح السؤال عن «الظهور» مهمًا.

ليس كل ظهور فعلًا سياسيًا، ولا ينبغي أن نحول كل صانع محتوى إلى معارض سياسي من دون إرادته. لكن قدرة الفرد على مخاطبة جمهور واسع من خارج المؤسسات التقليدية تغير شكل المجال العام نفسه.

وهذا ربما يفسر جانبًا من التوتر الذي تكشفه هذه القضايا: أشخاص حصلوا على مساحة عامة من دون أن تمنحها لهم مؤسسة، ومن دون أن يحتاجوا إلى اعتراف مسبق من أحد.

التعامل معهم بالعقوبة يضع حدودًا لهذه المساحة. والرسالة لا تتعلق فقط بما قيل في الواقعة المحددة، وإنما بما يمكن أن يحدث عندما يصبح حضور الشخص أوسع من الحدود المقبولة.

المشكلة أن هذه الحدود ليست مكتوبة دائمًا بصورة تسمح بمعرفتها مسبقًا.

وهنا يعود أثر الخوف.

حين يتعلم الإنسان أن يراجع كل كلمة أو فيديو أو رأي بناءً على ما يمكن أن يترتب عليه، تنتقل الرقابة تدريجيًا من المؤسسة إلى الشخص نفسه. لا يعود السؤال فقط عما يسمح به القانون، وإنما عما يعتقد الفرد أنه آمن.

ومع اتساع هذه المساحة، يمكن أن تصبح الرقابة الذاتية أكبر من الحظر الرسمي نفسه.

هذه العملية تؤثر أيضًا في العلاقات بين الناس. الشخص لا يقلق فقط مما يقوله، وإنما ممن يسمعه، ومن يمكن أن يبلغ عنه، وكيف يمكن اقتطاع كلامه من سياقه أو تفسيره.

ومع الوقت يصبح الاحتياط جزءًا من العلاقات اليومية.

لا يعني ذلك أن كل فرد يرى الآخر باعتباره مخبرًا أو مصدرًا للخطر، كما لا يعني أن المجتمع فقد الثقة بالكامل. هذه صياغة أكبر مما يمكن إثباته. لكن من الطبيعي أن يؤدي ارتفاع تكلفة الكلام إلى تقليل المساحات التي يشعر فيها الناس بالأمان وهم يتحدثون بحرية.

والنتيجة لا تظهر بالضرورة في صورة صمت كامل. الناس تواصل الكلام والسخرية والنقد، لكنها تتعلم أن تفرق بين ما يقال في العلن وما يقال في الدوائر المغلقة، وبين ما يكتب وما يقال شفهيًا، وبين ما يمكن نسبته إلى الشخص وما يفضل ألا يترك أثرًا.

هذه أيضًا إحدى صور الخوف.

ولا أعتقد أن من المفيد تفسير هذا السلوك باعتباره جبنًا أو استسلامًا. الشخص الذي يعرف أن كلمة يمكن أن تكون لها تكلفة كبيرة يتصرف بعقلانية عندما يحسب هذه التكلفة.

المشكلة سياسية أكثر منها أخلاقية: ماذا يحدث للمجال العام عندما يصبح هذا الحساب جزءًا من كل مشاركة فيه؟

يصبح الصمت عندها ملتبسًا.

لا نستطيع أن نستنتج من غياب الاعتراض رضا الناس، كما لا نستطيع أن نستنتج من وجود الخوف أن الغضب يتراكم بالضرورة استعدادًا لانفجار قادم.

الصمت يخبرنا فقط أن التعبير العلني لا يعكس دائمًا كل ما يعتقده الناس.

وهذه نقطة مهمة لأن السلطة التي تعتمد على تقليل الأصوات المعارضة قد تستطيع السيطرة على المجال العام الظاهر، لكنها تصبح في الوقت نفسه أقل قدرة على معرفة ما يجري تحته.

حين يخشى الناس التعبير عن مشكلاتهم، لا تختفي المشكلات. لكن المؤسسات تفقد جزءًا من المعلومات التي كان يمكن أن تحصل عليها من النقاش العام والصحافة والتنظيمات الاجتماعية والاحتجاج.

بهذا المعنى، للقمع تكلفة تتجاوز من يتعرضون له. فهو يضعف أيضًا قدرة المؤسسات على معرفة المجتمع الذي تديره.

لكن هذا لا يعني أن القمع يحمل في داخله بالضرورة نهايته.

يمكن للخوف أن يستمر سنوات طويلة. ويمكن للناس أن تتكيف معه، وأن تطور طرقًا للحياة داخله. ولا توجد قاعدة تقول إن تراكم الصمت سيؤدي في لحظة محددة إلى انفجار، أو إن المجتمع سيكتشف فجأة أنه لم يعد خائفًا.

التجربة نفسها تحذر من هذه الطمأنينة.

الأهم هو فهم ما يفعله الخوف بالمجال العام أثناء استمراره. يقلل المعلومات المتاحة، ويشجع الرقابة الذاتية، ويضعف الثقة، ويرفع تكلفة الفعل الجماعي، ويجعل العقوبة الواقعة على شخص رسالة موجهة إلى آخرين.

ومن هنا تعود قضايا «تيك توك» إلى مكانها في الصورة الأكبر.

يمكن بالطبع مناقشة المحتوى نفسه وانتقاده، ويمكن للمجتمع أن يختلف حول الذوق والقيم وحدود المقبول. لكن انتقال هذا الخلاف إلى الحبس يغير طبيعة المسألة.

فالسؤال يصبح عندها: من يملك تحديد ما يجوز ظهوره في المجال العام؟ وما حدود استخدام العقوبة في فرض هذا التصور؟

وهذه الأسئلة لا تخص صانعي المحتوى وحدهم.

عندما تتسع دائرة الأفعال التي يمكن التعامل معها بالعقوبة، وعندما تصبح الحدود أقل وضوحًا، فإن كل شخص موجود في المجال العام يبدأ في حساب المسافة بينه وبين العقوبة.

وهنا يصبح الحبس أكثر من جزاء يقع على فرد. يصبح جزءًا من البيئة التي يتخذ داخلها الآخرون قراراتهم.

ربما تكون هذه هي المسألة الأهم: العقوبة لا تحتاج إلى الوصول إلى الجميع حتى تؤثر في الجميع.

يكفي أن تكون حاضرة بوصفها احتمالًا.