تبدو قضايا القبض على صانعي المحتوى على “تيك توك” في ظاهرها جزءًا من جدل أخلاقي أو سجال حول التفاهة والذوق العام. لكن الاقتراب أكثر يكشف أنها ليست أحداثًا منعزلة ولا ردود فعل متفرقة على ممارسات فردية، بل تعبير عن سياسة أشمل تتحوّل فيها العقوبة إلى وسيلة لإدارة حضور الناس في المجال العام. ليس لأن المحتوى يشكل خطرًا حقيقيًا، بل لأن اتساع الجمهور يمنح صاحبه قدرة رمزية لا تريد السلطة مجرد اختبارها. فالمسألة لم تعد مرتبطة بما يُقال بقدر ما تتعلق بمن يمكن أن يسمعه، وبالقلق من أن يتحول الظهور نفسه إلى فعل سياسي يستدعي التأديب.
هل يمكن أن نفهم كيف تحوّل الحبس في مصر من استثناء قانوني إلى أداة حكم؟ السؤال ليس بسيطًا، لأنه لا يتعلق بعقوبة بعينها، بل بتحوّل عميق في وظيفة الدولة نفسها. فحين يصبح أسرع ردّ على أي صوت هو الزنزانة، نكون أمام دولة لا تبحث عن تطبيق القانون، بل عن فرض الصمت. كان يفترض بالعقوبات، في منطق الدولة الحديثة، أن تكون آلية أخيرة تُطبّق حين تفشل كل الوسائل الأخرى: الحوار، الإقناع، القانون. لكن الطريق أصبح معكوسًا: الحبس هو أول ما تفعله الدولة، وليس آخره.
في الأصل، يفترض أن العقوبة تأتي في نهاية سلسلة من الضوابط: قانون واضح، معيار للمشروعية، توقيت يسمح بالمراجعة، وحدود تمنع السلطة من أن تستعمل أدوات العقاب خارج سياقها. لكن المشهد الحالي ينسف هذه الفكرة من جذورها. كل ما كان يفصل بين المواطن والزنزانة أصبح هشًّا، بل صوريًا. يكفي أن يظهر شخص في بث مباشر، أو يقدّم محتوى عاديًا، أو يعبّر عن رأي بسيط حتى يتحوّل إلى مادة جاهزة للحبس.
ما يلفت هنا ليس القسوة وحدها، بل السرعة. سرعة القرار، وسرعة الاتهام، وسرعة نقل أي اختلاف إلى خانة “الخطر”. وكأن عقوبة الحبس باتت جزءًا من الإدارة اليومية للمجتمع، لا إجراءً استثنائيًا. نحن لا نتحدث عن ملف سياسي بالمعنى التقليدي، بل عن نظام يعتبر فعل الظهور نفسه — ظهور الفرد، صوته، اختلافه — أمرًا يستدعي التدخل.
هذا التحوّل لا يمكن قراءته إلا بوصفه انهيارًا لوظيفة القانون. فالقانون، مهما كان سيئًا، يقوم على فكرة المعيار: ما يُعاقَب عليه يجب أن يكون مُعرّفًا، محددًا، قائمًا على فعل يمكن قياسه. أما حين يدخل المجتمع مرحلة يصبح فيها كل شيء قابلًا للتجريم، فهذه ليست دولة قانون، بل دولة تستخدم القانون كواجهة بينما تعتمد في الواقع على العقوبة كوسيلة لضبط السلوك.
ومع الوقت يصبح الطبيعي نفسه مريبًا. ليس لأن هناك خطأ ارتُكِب، بل لأن المعنى تغيّر جذريًا: السؤال لم يعد “ماذا فعلت؟”، بل “كيف سمحنا لك أن تفعل؟”. هكذا تُبنى علاقة مقلوبة بين الدولة والمجتمع؛ الدولة لا ترى مواطنًا يملك حقًّا، بل فردًا حصل بالصدفة على مساحة ليست له. وفي ظل غياب معيار ثابت، يتحوّل المواطن إلى كائن مرتبك، يعيش داخل مساحة رمادية لا يعرف أين تبدأ الخطوط الحمراء ولا كيف تنتهي.
تتحوّل العقوبة هنا إلى آلية لإعادة تشكيل المجتمع نفسه، فالمهمّ ليس من يُسجن، بل الرسالة التي تصل إلى من لم يُسجن بعد. الزنزانة ليست مكانًا بل تهديدًا حاضرًا في كل كلمة تُكتب، وكل مزحة تُقال، وكل فيديو قد يُشاهَد من “عدد كبير”. وكلما زاد حضور الناس في المجال العام — ولو عبر شاشة — زاد حضور العقوبة خلفهم. الدولة لا تتدخل فقط حين يخرج الفعل عن القانون، بل حين يخرج عن الصورة المقبولة التي تريدها لنفسها وللمجتمع.
في السابق، كانت الدولة تخاف التنظيم السياسي: حزب، حركة، نقابة. الآن الخوف من المتابعين. السؤال لم يعد: “ماذا قال؟” بل: “من استمع إليه؟ وكم كانوا؟ وهل يمكن أن يزيدوا غدًا؟”. ليس مستبعدًا أن يُعتقل شاب لأنه ضحك بصوت مسموع للجميع، أو تُقدَّم فتاة للمحاكمة لأن رقصتها جمعت جمهورًا. أي فعل يُعيد توزيع الانتباه في المجتمع يُعتبر تهديدًا يُعاقَب عليه. ليس لأن الفعل خطير، بل لأن الاهتمام تحوّل نحوه.
المجال العام الذي كان مساحة للنقاش، صار ساحة تُقدَّم فيها أمثلة على ما يحدث لمن يتجاوز خطوطًا غير مكتوبة. الناس لا تشارك في السياسة، بل تشاهد عقاب من حاول المشاركة. وهكذا يصبح “الظهور” نفسه فعلًا سياسيًا، حتى وإن خلا من مضمون سياسي مباشر. السلطة تخشى الحياة قدر ما تخشى المعارضة.
وحين يتعلّم الإنسان أن يراجع كل كلمة قبل أن يقولها، وكل حركة قبل أن يقوم بها، وكل رأي قبل أن يفكر فيه، يصبح الخوف جزءًا من تكوينه النفسي. ليس خطرًا خارجيًا يمكن الهرب منه، بل ذاتًا ثانية تعيش في داخله. مجتمع يعيش أفراده بهذه الحالة من القلق يفقد شيئًا أكبر من الحرية: يفقد الثقة. كل واحد يصبح مشروع بلاغة، مشروع وشاية، مشروع قضية. وتتحوّل العلاقات الإنسانية إلى مسافة آمنة بين أشخاص خائفين.
وفي هذه اللحظة، لا تُحكم الدولة المجتمع بل تعزله. يشعر كل فرد أن خوفه شأن شخصي، بينما هو في الحقيقة حالة عامة. وبذلك تتحقق الغاية: أن يتصرف كل إنسان كما لو كانت معركته فردية. لكن هذا التفكّك لا يضمن استقرارًا للسلطة، بل يضعها أمام معضلة أكبر: كيف لدولة أن تطلب من أفراد لا يثقون بأنفسهم أن يثقوا بها؟
السلطة التي تخشى النقد أكثر مما تخشى الفشل، تستعيض عن السياسة بالعقوبة. لكنها بذلك لا تؤجّل الأزمة إلا قليلًا. فالخوف الذي يجمّد اللحظة لا يستطيع أن يغيّر اتجاه الزمن. قد تنجح السلطة في منع الأصوات، لكنها لا تستطيع منع تراكم ما يُراد قوله. الكلمات المحبوسة لا تختفي، بل تنتظر توقيتًا آخر. ومجتمع صامت ليس مجتمعًا راضيًا، بل مجتمع يؤجل المواجهة.
في لحظة معيّنة يصبح الخوف نفسه عبئًا لم يعد الناس قادرين على احتماله. يصبح الصمت بلا معنى. يصبح استمرار الوضع أخطر من تغييره. وحينها تتغير معادلة الشرعية: الخوف الذي كان يُنتزع من الناس يتحول إلى خوف عليها هي. فالقوة التي تبني على الرهبة تُهزم حين يتغيّر تعريف الرهبة في قلوب الناس.
وفي المحصلة، تصبح أدوات القمع فخًا سياسيًا للسلطة ذاتها. فهي لا تستطيع التخفيف دون أن تعترف بعبث التشديد، ولا تستطيع التشديد إلى ما لا نهاية دون أن تكشف عجزها عن إدارة مجتمع حيّ. هكذا تجد الدولة نفسها سجينة خيار واحد، بينما يكتشف المجتمع — تدريجيًا — تعدد خياراته. وكل حكم لا يملك سوى الزنزانة، لا يملك زمنًا طويلًا.
كل ما سبق ليس قراءة في الحاضر فقط، بل تحذير مما يمكن أن نصبح عليه إذا استمرت العلاقة بين الدولة والمجتمع قائمة على الخوف وحده. فالتحكّم في الحاضر لا يكفي لصنع المستقبل. الناس يمكن أن تصمت طويلًا، لكن هذا الصمت لا يصنع قبولًا ولا يمنح شرعية. هو يمدّ الأجل قليلًا بينما يبقى السؤال معلّقًا فوق رأس الجميع.
وهنا تتحول السياسة إلى صراع صامت على الزمن: من يملك الحق في أن يعرّف الغد؟ من يملك الشجاعة ليقول إن الغد ليس امتدادًا قسريًا لليوم؟ قد تنجح السلطة في تأجيل الإجابة، لكنها لا تستطيع إلغاء السؤال. وقد يستطيع الناس تجاهل السؤال لبعض الوقت، لكنهم لا يستطيعون تجاهل حياتهم إلى الأبد.
قد نختلف على التفاصيل، لكن ما لا يحتمل الاختلاف هو أن الخوف لا يمكن أن يكون أساسًا لمستقبل يمكن العيش فيه. فالدولة التي تُبنى على الصمت تسقط بمجرد أن يتكلم أحد. والناس الذين يتعلمون الصمت طويلًا… يتقنون الكلام حين يحين الوقت. وإذا كان السؤال المؤجَّل هو ما يحافظ على استقرار اللحظة، فإن اللحظة الآتية — مهما تأخرت — ستظل تطلب إجابة أوضح: من يملك أن يصوغ هذا البلد؟ السلطة وحدها؟ أم الناس الذين يدفعون ثمن بقائه كل يوم؟
الزمن وحده هو الذي سيحسم الإجابة… لكن من الحكمة أن نقرأ علاماته قبل أن يكتبها التاريخ على جدران لا يمكن هدمها.
30 نوفمبر 2025



