البحث عن مخرج: من وصف الانسداد إلى التفكير في البدائل

Facebook
Twitter

خلال الشهور الماضية حاولت في سلسلة «تفكيك الوضع» النظر إلى جوانب مختلفة من الطريقة التي تعمل بها السلطة: استخدام القانون في تقييد الحقوق، وتحرك حدود حرية التعبير، وعلاقة الأحكام القضائية بالحقيقة، واستخدام العنف خارج إطار المحاسبة، وحجب المعلومات، وصناعة الأعداء، وصولًا إلى ما حاولت وصفه بـ«اقتصاد الخوف».

لم تكن هذه موضوعات منفصلة تمامًا. كان هناك خيط يجمع بينها: كيف تغيرت علاقة السلطة بالمجتمع، وكيف أصبح القانون والإعلام والقضاء والمعلومات جزءًا من الطريقة التي تدار بها هذه العلاقة.

كان التشخيص ضروريًا بالنسبة لي لفهم ما يجري. لكن الاستمرار فيه وحده يصل في لحظة ما إلى حدوده. يمكن أن نصف أدوات القمع مرة بعد أخرى، ونوثق اتساعها، ونحلل آثارها، من دون أن يقودنا ذلك بالضرورة إلى فهم ما يمكن فعله في مواجهتها.

وهنا يبدأ سؤال أصعب: ما الذي يمكن فعله في وضع يبدو فيه المجال السياسي مغلقًا إلى هذه الدرجة؟

لا أملك إجابة جاهزة عن هذا السؤال، وربما تكون المشكلة أصلًا في البحث عن إجابة واحدة. التجربة التي عشناها خلال السنوات الماضية تجعل الحذر من الإجابات الكبيرة ضروريًا. رأينا كيف يمكن للحظة سياسية واسعة أن تفتح إمكانيات لم تكن متصورة، ورأينا أيضًا كيف يمكن أن تنغلق هذه الإمكانيات بسرعة، وأن يدفع أشخاص كثيرون ثمن المشاركة فيها.

لذلك لا أريد أن تكون سلسلة «البحث عن مخرج» محاولة لتقديم وصفة جديدة للتغيير، أو إعلان برنامج سياسي. ما أريده هو الانتقال من وصف الانسداد إلى التفكير في الشروط التي يمكن أن تجعل الفعل ممكنًا، حتى في مساحة محدودة.

هذه النقلة مرتبطة بما انتهى إليه مقال «اقتصاد الخوف». كانت الفكرة الأساسية هناك أن الخوف لا يعمل فقط من خلال القمع المباشر. عندما تصبح تكلفة المشاركة مرتفعة وغير قابلة للتوقع، يمكن أن يتحول الانسحاب إلى قرار عقلاني بالنسبة للفرد.

هذه نقطة مهمة في التفكير في أي مخرج. لا يمكن أن نطلب من الناس ببساطة أن يتوقفوا عن الخوف، ولا أن نفسر ابتعادهم عن السياسة باعتباره نقصًا في الشجاعة أو الوعي. هناك أسباب حقيقية تجعل الشخص يختار الابتعاد: عمل يمكن أن يفقده، وأسرة يتحمل مسؤوليتها، واحتمال للحبس أو الملاحقة، وغياب ضمانة بأن التضحية ستؤدي إلى نتيجة.

في الوقت نفسه، إذا أصبح الانسحاب الفردي هو الإمكانية الوحيدة المتاحة، فإن الوضع القائم يعيد إنتاج نفسه. وهذه هي المعضلة التي أريد أن تبدأ منها السلسلة: كيف يمكن التفكير في فعل جماعي يأخذ المخاطر الموجودة بجدية، من دون أن يقبل بأن تكون النجاة الفردية هي الأفق الوحيد؟

ربما يتطلب ذلك أولًا إعادة التفكير في معنى الفعل نفسه.

اعتدنا لفترة طويلة أن نربط السياسة بأشكال محددة: الحزب، والنقابة، والمظاهرة، والانتخابات، والتنظيم السياسي المعلن. هذه الأشكال مهمة، وبعضها لا يمكن الاستغناء عنه في أي مجال سياسي مفتوح. لكن القيود المفروضة عليها اليوم تجعل حصر السياسة فيها سببًا إضافيًا للشعور بالعجز.

الفعل العام لم يختف تمامًا. ما زالت هناك مبادرات تعمل على قضايا محددة، ومشروعات للتوثيق وحفظ الذاكرة، ومحاولات صحفية وبحثية مستقلة، وأشكال من التضامن المهني والاجتماعي، وتحركات تظهر أحيانًا في أماكن العمل أو حول قضية بعينها.

لا أريد المبالغة في قيمة هذه الأفعال. تقرير حقوقي لا يغير ميزان القوى وحده، ومبادرة صغيرة لا تصبح حركة اجتماعية لمجرد أنها مستقلة، وحملة تضامن قد تنتهي من دون تحقيق هدفها. التعامل مع كل فعل صغير باعتباره «مقاومة» منتصرة بطريقة ما لا يساعدنا كثيرًا على فهم الواقع.

لكن تجاهل هذه الأفعال أيضًا يخفي جزءًا مما يجري. أهميتها في بعض الأحيان أنها تحافظ على خبرة أو معلومة أو علاقة بين مجموعة من الناس، أو تمنع واقعة من الاختفاء، أو تتيح مساحة محدودة للعمل في وقت تضيق فيه المساحات الأخرى.

وهنا يظهر فارق مهم بين الفعل والقدرة على الاستمرار.

لدينا تجارب كثيرة لأفعال ظهرت ثم انتهت. احتجاجات، وحملات، ومبادرات، ومجموعات تشكلت حول قضية ثم اختفت بانتهائها. المشكلة ليست في قصر عمر كل تجربة؛ بعض المبادرات بطبيعتها مؤقتة. المشكلة أن الخبرة التي تنتجها كثيرًا ما تختفي معها.

لذلك سيكون التنظيم أحد الأسئلة الأساسية في البحث عن مخرج. كيف يمكن الحفاظ على الخبرة ونقلها؟ كيف يستطيع الأشخاص العمل معًا في ظروف مرتفعة المخاطر؟ وكيف يمكن بناء أشكال جماعية لا تعتمد بالكامل على لحظة حماس أو على عدد قليل من الأفراد؟

ولا أقصد بالتنظيم هنا الدعوة إلى تأسيس حزب جديد أو استعادة نموذج تنظيمي قديم. السؤال أسبق من شكل المؤسسة نفسها. يتعلق بالقدرة على الاستمرار، وتقسيم المسؤوليات، وحفظ الذاكرة، والتعلم من التجارب السابقة، وتقليل اعتماد أي تجربة على فرد واحد.

السؤال الثاني يتعلق بالمعرفة.

خلال السنوات الماضية أصبحت مشكلة الوصول إلى المعلومات جزءًا أساسيًا من عمل كثير من الصحفيين والباحثين والمحامين والمنظمات. هناك بيانات لا تنشر، ووثائق يصعب الوصول إليها، ومعلومات تحتكرها المؤسسات الرسمية، وذاكرة معرضة للضياع.

في هذه الظروف يصبح إنتاج المعرفة وإتاحتها جزءًا من القدرة على الفعل. لا لأن المعرفة تغير الواقع وحدها، وإنما لأن من لا يعرف كيف تعمل السياسات والمؤسسات والقوانين التي يتعامل معها تصبح قدرته على مواجهتها أو حتى مناقشتها أضعف.

التوثيق مثال واضح. تسجيل الانتهاك مهم بالنسبة للضحية وللمحاسبة، لكنه يستطيع أيضًا، عندما يتراكم، أن يكشف نمطًا في استخدام قانون أو مؤسسة أو إجراء. والأرشيف لا يحفظ الماضي فقط، وإنما يسمح بمقارنة ما يحدث الآن بما حدث من قبل.

لكن المعرفة نفسها تواجه مشكلة أخرى: كيف تتحول من مادة موجودة في تقرير أو كتاب أو أرشيف إلى شيء يمكن استخدامه اجتماعيًا وسياسيًا؟ لدينا بالفعل كم كبير من الدراسات والتقارير والوثائق، وبعضها لا يصل إلا إلى دوائر صغيرة جدًا.

لهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بإنتاج المعرفة، وإنما أيضًا بإتاحتها، وربطها بالأسئلة التي يعيشها الناس، وبناء ذاكرة تسمح للتجارب الجديدة بألا تبدأ في كل مرة من الصفر.

هناك كذلك سؤال يتعلق بالعلاقة بين الفعل البطيء واللحظات التي تتغير فيها الأمور بسرعة.

يناير نفسها لم تبدأ يوم 25 يناير. سبقتها سنوات من الإضرابات والاحتجاجات والعمل السياسي والحقوقي والتغيرات الاجتماعية. لم يكن أحد يستطيع تحديد اللحظة التي ستلتقي فيها هذه المسارات أو ما الذي سينتج عنها، لكن ذلك لا يعني أن ما سبقها لم يكن مهمًا.

هذه الخبرة تجعلني متحفظًا تجاه فكرتين متقابلتين. الأولى انتظار لحظة انفجار جديدة كما لو أنها ستقدم الحل بنفسها. والثانية الاعتقاد بأن غياب هذه اللحظة يعني أن كل فعل أصغر منها بلا قيمة.

العمل البطيء لا يضمن لحظة سياسية كبرى، ولا ينبغي أن تكون قيمته معلقة على انتظارها. لكنه يستطيع أن يبني معرفة وخبرة وعلاقات ومؤسسات تبقى موجودة عندما تتغير الظروف.

وفي المقابل، لا يمكن لأي مؤسسة أو مبادرة أن تتصرف كما لو أن الواقع ثابت. هناك لحظات تظهر فيها مساحات لم تكن موجودة قبلها: احتجاج اجتماعي، أو قضية عامة، أو تغير سياسي، أو صراع يفتح إمكانيات جديدة. القدرة على التعامل مع هذه اللحظات تتوقف جزئيًا على ما كان موجودًا قبلها.

لهذا لا أرى البحث عن مخرج باعتباره اختيارًا بين العمل الصغير والتغيير الكبير. العلاقة بين الاثنين أكثر تعقيدًا. الأفعال المحدودة لا تتراكم آليًا حتى تنتج تغييرًا، واللحظات الكبرى لا تستطيع وحدها بناء ما لم يكن موجودًا قبلها.

هناك أيضًا خطر في استخدام عبارة «المجتمع استسلم». فهي تضع ملايين الأشخاص داخل موقف واحد، وتتجاهل اختلاف ظروفهم وقدرتهم على تحمل المخاطر. ما يبدو من الخارج انسحابًا قد يكون محاولة للحفاظ على العمل أو الأسرة أو الحياة نفسها.

وفي الوقت نفسه تظهر من وقت إلى آخر أشكال مختلفة من الاعتراض أو التضامن أو الدفاع عن مصالح مباشرة. لا تثبت هذه الوقائع أن المجتمع على وشك الانفجار، كما لا يثبت غيابها أن الناس قبلوا الوضع القائم. هي فقط تذكرنا بأن العلاقة بين القمع والفعل أكثر تعقيدًا من ثنائية الاستسلام والمقاومة.

لهذا أريد لهذه السلسلة أن تبدأ من أسئلة أصغر وأكثر تحديدًا.

كيف يمكن استعادة القدرة على التنظيم بعد تجربة دفعت كثيرين إلى الشك فيه؟ ما وظيفة المعرفة في وضع تحتكر فيه المؤسسات الرسمية أجزاء واسعة من المعلومات؟ كيف يمكن الحفاظ على ذاكرة التجارب السابقة ونقلها؟ وما الذي يمكن أن يجمع أشخاصًا تختلف مواقفهم السياسية لكنهم يتأثرون بسياسات ومشكلات مشتركة؟

هذه ليست إجابات عن سؤال «ما العمل؟». هي محاولة لتفكيك السؤال نفسه إلى مشكلات يمكن التفكير فيها.

ربما يكون هذا أكثر تواضعًا من البحث عن مشروع سياسي مكتمل، لكنه أيضًا أكثر ارتباطًا بالواقع الذي نعمل داخله. فلا معنى لبرنامج واسع للتغيير إذا لم توجد قوى اجتماعية تستطيع حمله، ولا معنى للحديث عن التنظيم من دون التفكير في المخاطر التي يتحملها أفراده، ولا فائدة من إنتاج المعرفة إذا بقيت معزولة عن المجتمع.

لهذا تبدأ سلسلة «البحث عن مخرج» من التنظيم، ثم المعرفة، ثم محاولة التفكير فيما يمكن أن يصنع أرضية مشتركة للفعل. ليس لأن هذه العناصر تقدم طريقًا مضمونًا، وإنما لأنها مشكلات لا يمكن تجاوزها بمجرد إعلان الرغبة في التغيير.

الانتقال من التشخيص إلى البحث عن بدائل لا يعني أن التشخيص انتهى، ولا أن لدينا الآن إجابات أكثر يقينًا. معناه فقط أن فهم كيفية عمل الوضع القائم ينبغي أن يقود في لحظة ما إلى سؤال آخر: ما الذي يسمح لنا بالعمل داخله من دون أن نعيد إنتاج العجز نفسه؟

ومن هنا يبدأ البحث.